كتّاب المحبّة
لا أخاف...
بينَ شهرِ تشرينَ الأوّل وأوائلِ نيسانَ شاءَتِ العنايةُ الإلهيَّةُ أن أنتقِلَ من لبنانَ بلدِ القدّيسين لأزورَ كنائسَ إيطاليا، فيينا، براغ وألمانيا. كنائسُ تعلو بِقِبَبِها لتَطالَ السماء، وتزهو جدرانُها وزواياها بما خَطَّهُ مُبدِعونَ مِن صُوَرٍ وتَماثيلَ وأيقونات. مَشهدٌ ولا أجمَل، روعَةٌ ولا أبْهى. تُفتِّشُ عنِ الجمالِ فتَجِدُه، تَبحَثُ عن الحجَرِ فتُدهِشُ أمامَه، تَسألُ عنِ الإنسانِ في بيتِ الله تَراهُ غائبًا تائهًا في الشوارعِ والأزقَّة، مُنهمِكًا بالعملِ والاختراعاتِ والصناعات، ولا مكانَ لله في حياتِه، يَسمَعُ ولا يَفهَم، يَنظرُ ولا يُبصِر، لأنَّ هذا الشَّعبَ تَحجَّرَ قلبُه، وسَدَّ آذانَه، وأغمضَ عَينَيه على ما يقولُ إشعيا النبيّ.
وقَفتُ أمام ذاتي وقلتُ: هنيئًا لكِ يا كنيسةَ لبنان! هنيئًا للبشرِ يُزيّنونَ كنيسةَ الحجر! هنيئًا لنا لأنَّ كنيستنا أساسُها الإيمانُ وجدرانَها حجارةٌ حيَّةٌ تَملأُ المكان.
ماذا تنفَعُ كنيسةُ الحجرِ إن لم تكُنْ مَليئةً بِكنيسةِ البشر؟ من هنا نعود لنطلق الصوت عاليًا متَّكلين على العناية الإلهيَّة: نُريدُ كنيسةً تَنبُضُ بالحياة لأنَّنا أبناءُ الحياة. نريدُ كنيسةً إنسانُها يتنفَّسُ حرّيّةَ أبناءِ الله، ويدرك معنى الحرّيّة الحقيقيّة فلا تستعبده الشعاراتُ الزائفة، والسعادة الفارغة القائمة على الملذَّات الأرضيّة الآنيّة. نُريدُ كنيسةً أبناؤها يَتحابَّون ويتعاونون ويتنافسونَ في عَملِ الخيرِ والمحبَّةِ والرحمة. نريدُ كنيسةً تَنظرُ دائمًا إلى النصفِ الملآنِ من الكأس، ويسعى إنسانُها إلى المسامحةِ والمصالحةِ والغفران. نريد كنيسةً تلتزم شبيبتُها بمشروع الله في حياتهم، فيشرِّعون أبوابَ قلوبهم للمسيح، ويبنون معًا حضارة المحبّة والحياة.
نريد كنيسة تبقى عائلاتُها شاهدة على حضور الله في حياتها فتضحي كنيسة بيتيّة وتصبح أمًّا ومعلِّمة، تربّي على القيم السامية، على روح الصدق والغفران، على روح الخدمة بفرح، على القيام بالواجب بتفانٍ وإخلاص، وعلى المشاركة الواعية في سرّ الصليب، من خلال الصعوبات وكلِّ اختبارات الألم وحتَّى الموت، التي تعترض العائلةَ في مسيرتها، فتعرف العائلةُ مجابهتها بروح الإيمان الواثق، والرجاء المستنير بنور القيامة.
نريد كنيسة إنسانها في مسيرة حجّ دائم نحو الموطن الحقيقيّ "لأنّ مدينتنا في السماء"، نسير بخطى ثابتة "ننسى ما وراءنا ونمتدُّ إلى ما أمامنا، ونسعى إلى الهدف لنفوز بالجائزة العليا التي يدعونا الله إليها في المسيح يسوع"، على ما يقول القدّيس بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيلبّي.
لا أخاف على كنيسة تتجدّد بروح الله وينطلق أبناؤها حاملين ثمار الروح، معلنين كلمة الله في وسط عالم تتآكله الحروب والانقسامات.
لا أخاف على كنيستنا لأنّ شعلة الإيمان لم تنطفئ، وما زالت تضرُّعات أمَّهاتنا وآبائنا تملأ المكان، وشبيبتنا تعود لتكتشف عمق هويَّتها المسيحيّة رغم التحدِّيات وثقافة اللامبالاة.
لا أخاف على كنيستنا "لأنَّ المسيحَ رجاؤنا، بروحه نتجدّد ومعًا للمحبّة نشهد".
الخوري طوني بو عساف
دكتور في العلوم التربوية
من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه