كتّاب المحبّة
مشروع الله الخلاصيّ في الزواج
إذا كنا نؤمن أن الله هو الّذي خلق الرجل والمرأة ودعاهما إلى الزواج، فهل كان لديه مشروع خلاصيّ لهما؟ بمعنى آخر، هل يمكن التكلّم عن مشروع خلاصيّ في الزواج بإرادة إلهية؟ وما الّذي يريده الله من الرجل والمرأة بدعوتهما إلى الزواج؟
في الواقع، وحده المسيح يستطيع أن يعطينا جوابًا موضوعيًا على هذه الأسئلة، لأن يسوع المسيح هو غاية كلّ ما جاء في العهد القديم، به تمّت النبؤات واكتملت الشريعة وابتدأ العهد الجديد. ولأن يسوع هو المعلّم الصالح الّذي يتكلّم بالحقّ، ويعلّم الحق الّذي وحده يحرّر. لهذا، إذا كنّا نبحث عن حقيقة موضوعيّة في هذه المسألة، فلنتركه كالتلاميذ الأحباء يحدّثنا عن الحقيقة حول الزواج لأنه الوحيد القادر أن يخبرنا عن إرادة الآب ومشروعه في الزواج، لأنه الوحيد الّذي رأى ويعرف الآب. فما الّذي يقوله يسوع عن حقيقة الزواج؟
هي قليلة المرّات التي تكلّم فيها يسوع مباشرة عن الزواج. يخبرنا القديس متى أن الفريسيين أتوا إلى يسوع ليحرجوه في موضوع الزواج والطلاق فقالوا له: أيحلّ لأحد أن يُطلّق امرأته لأية علّة كانت؟ فأجاب يسوع: أما قرأتم أن الخالق منذ البدء جعلهما ذكرًا وأنثى وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته ويصير الاثنان جسدًا واحدًا. فلا يكونان اثنين بعد ذلك، بل جسدًا واحدًا. فما جمعه اللّه فلا يفرّقنه الانسان" (متى 19 : 1-12). في حين نرى يسوع يقدّم لنا تعليمًا جديدًا في مسائل الحياة الخُلُقيّة: قيل لكم … أما أنا فأقول لكم "؛ وفي حين يؤسس هو بنفسه باقي الأسرار، كالمعمودية والأفخارستيا…إلخ، نراه في موضوع الزواج يعود إلى البدء، إلى قدسيّة بداية البدايات، إلى مشروع الله الآب منذ الخلق. فالزواج سرّ طبيعي تأسس على يد الآب: هو الّذي أسّسه ووضع شرائعه، ورفعه بالمسيح وقوّة الروح القدس إلى مستوى سرّ مسيحاني. أي أن المسيح كرّس وقدّس ما وضعه الآب. لذلك إذا أردنا أن نعرف مشروع الله الخلاصيّ في الزواج لا بد لنا أن نعود إلى البدء، إلى بداية الخلق لنكتشف هذا المشروع الإلهي الّذي أراد المسيح أن يكرّسه كسرّ من أسرار العهد الجديد؛ سرّ يُجسد ويعكس سرّ محبّته للكنيسة ومحبّة الكنيسة له. فما هو هذا المشروع بحسب تدبير الله منذ الخلق؟
ماذا يعلّمنا الكتاب المقدّس العهد القديم
تشكّل الفصول الأحد عشر من سفر التكوين، التي من ضمنها النصوص التي نعود إليها في حديثنا، نصوصًا صحيحة وإن غير علميّة، لأن الغاية منها تعليميّة وليس البحث العلمي. فالكاتب المُلهم حاول في ما كتب أن يُجيب، على ضوء اختباره التاريخيّ لتدبير لله الخلاصيّ، على أهمّ الأسئلة التي يطرحها المؤمن في حياته: من أوجد الإنسان؟ لماذا وجد الإنسان؟ ما معنى الوجود وغايته؟ لماذا الإنسان يُوجد كرجل وإمرأة؟ لماذا الألم والخطيئة والموت؟ وغيرها الكثير من الأسئلة الوجوديّة. فما الّذي تقوله لنا هذه الفصول عن مشروع الله في الزواج؟
1- الزواج سرّ طبيعي، هو سرّ الشراكة في حياة الله بالحبّ
يقول لنا الكتاب المقدس أن الله "خلق الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرًا وأنثى خلقهم". لذلك، نجد في هذه الخلق على صورة الله الثالوث، الله المحبّة، دعوة الرجل والمرأة إلى تأسيس: شركة أشخاص بالحبّ على مِثال شركة الثالوث؛ شركة أشخاص غايتها الأخيرة مشاركة الله في حياته.
يمكننا باتباع إسلوب التماثل الّذي يتبعه الكتاب المقدس، الّذي يعتبر فيه الإنسان على صورة الله لا بالجسد بل بالروح وبجوهر كيانه، أن نرى في شركة الحبّ والحياة في الثالوث الأقدس الإيقونة الحيّة للشركة الزوجيّة. وبالعودة إلى هذه العلاقة بين الآب والإبن والروح الّذي كشفها لنا الله بابنه يسوع المسيح وبقوّة روحه القدوس من خلال الرسل، نكتشف أسس هذه الشركة الزوجيّة التي يمكن تلخيصها على الشكل التالي:
1. 1- الحبّ مبدأ هذه الشركة وقوّتها
إن الله الّذي أراد الإنسان لذاته، أحبّه لذاته، وخلقه بحبّه، وأعطاه الحياة والوجود من حياته ووجوده. والله الّذي هو في ذاته محبّة (1 يوحنا 4 : 8 و 16)، خلق الإنسان على صورته كمثاله، ودعاه إلى الحبّ ليحقّق هذه الصورة فيه، وهي دعوة أساسيّة مطبوعة في كلّ إنسان. لذلك، كلّ إنسان يُفتّش أن يُحبّ ويُحبّ. وفي هذه الحبّ الّذي يحبّ فيه الإنسان الآخر حبّه لذاته، ينمو ويتطور ويزدهر ويحقّق ذاته. وفي هذا الحبّ الّذي ينفتح به على الآخر ويستقبل حبّ الآخر له، يصبح الرجل والمرأة صورة للمحبّة المطلقة والراسخة التي أحبّ بها الله الإنسان. وقد رأى الله ذلك حسنًا جدًّا .
2. 1- عماد هذه الشركة المساواة في الكرامة بين أفرادها:
تشكل المساواة أساسًا في شركة الزواج تؤمن لكل فرد في العائلة إطارًا صحيحًا ليكون ذاته كشخص فريد. ونجد جذور هذه المساواة أولاً في كون الله هو خالق الرجل والمرأة، وهو خالقهما على صورته كمثاله. وثانيًا، نجدها في كون الرجل والمرأة مخلوقان من لحم ودم، أي متساويان في الطبيعة.
3. 1- طبيعة هذه الشركة الوحدة والديمومة وعدم الإنقسام أو الإنحلال:
كما هي الحال في شركة الثالوث الأقدس، حيث لا انقسام ولا انفصال بين الأقانيم الثلاثة، بل تجلّي لإله واحد في ثلاثة أقانيم، هكذا أراد الله أن يتحد الرجل والمرأة في شركة دائمة لا انفصال ولا انقسام فيها. ديمومة الزواج هذه أكده يسوع في كلامه مع الفريسيين أن منذ البدء لم يكن من طلاق، إنما هذا تدبير أوجده موسى لقساوة قلب شعبه.
4. 1- الفرادة والتمايز هما عصب الحياة في هذه الشركة:
كما كشف لنا يسوع عن سرّ الثالوث الأقدس، يتجلى الآب في قلب هذه الشركة الثالوثية المقدسة كالرأس المدبر، والإبن كالكلمة الأزلي الّذي به يخلق الله الآب ويتمم كلّ شيء، والروح كمكمل يتابع تحقيق مشروع الخلاص على مرّ التاريخ. ويتم هذا كله في تناغم عميق، بحيث لا يمكن التحدّث عن أي انصهار بين أقانيم الثالوث. هكذا خلق الله الرجل والمرأة على صورته كمثاله في كيان جنسي متمايز، وأوكل لكل واحد منهما دورًا فريدًا ومميزًا في هذه الشركة الزوجيّة، بحيث لا يمكن للرجل أن يقوم مقام المرأة في دورها ولا المرأة تستطيع أن تقوم مقام الرجل في دوره داخل هذه الشركة الزوجيه. ويمكن تأكيد هذه الحقيقة من خلال أمثلة بسيطة: فالمرأة هي التي تحبل وتلد. والعاطفة الأبوية تختلف عن العاطفة الأمومية. والأمر نفسه بالنسبة للفرادة والتمايز ينطبق على الأولاد بحيث يأخذون مكانهم المميز ودورهم الفريد في قلب هذه الشركة. فيفشل الآباء والأمهات في تربيتهم لأولادهم حين يسعون لجعل أولادهم صورة مطابقة لهم أو لتحقيق ما يحلمون فيهم. وينجحون حين يأخذون بعين الإعتبار في تربيتهم مواهب ومعطيات كلّ ولد ويسهرون على تنميتها وعلى توجيه أولادهم بحسب دعوتهم.
5. 1- التواصل والتكامل هما عصب النمو في شركة الزواج:
يكشف لنا المسيح أن كلّ ما يعرفه الآب يعرفه هو، وكل ما يعرفه هو يعرفه الآب، وأن الروح القدس سيأخذ منهما ليعرّفنا على مشيئة الله. هذه المعرفة المتبادلة تفترض تواصلاً حُرًّا وصادقًا يكشف فيه كلّ أقنوم للآخر عن ذاته. لذلك، حين خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى على صورته، خلقهما ليؤسسها شركة حياة مبنية على التبادل والتواصل القائم على الصدق والتناغم والتناسق. وهذا ما عبّر عنه الكتاب المقدس بقوله: ورأى الله الإنسان لوحده، فقال: لا يحسن بالإنسان أن يكون لوحده، لأخلقن له عونًا يناسبه أو يوازيه". ووجد آدم هذا العون في حواء فقط وليس في الحيوانات، لأنها شبههه في الإنسانيّة وبإمكانها أن تتواصل معه بحسب معطياتها البشريّة. كما استعلم صورة العراء ليؤكد أن الله خلقهما ليكونا صادقين في علاقتهما ببعضهما البعض، لأن الإنسان حين يتعرّى أمام الآخر يعبر عن عطاءه الكلّي لذاته للآخر وتمليكه على حياته ومصيره. كما ونجد أهميّة التكامل بين الرجل والمرأة في صورة خلق المرأة من ضلع الرجل، بحيث عبّر آدم عن أهميتها لمعنى وجوده واعترف بها كضرورة كيانية لنموّه وتطوره وسعادته، من خلال صرخة الفرح التي أطلقها آدم حين رآى المرأة فقال: هذه لحمٌ من لحمي وعظمٌ من عظامي. هذه إمرأة لأنه من إمرء أخذت. ولذلك يترك الرجل آباه وأمّه ويلزم إمرأته فيصيران جسدًا واحدًا".
وجد الإنسان للشراكة و الحبّ ، هذا هو التكامل. لذلك في الزواج يجد الرجل الضلع المناسب ويعيده إلى مكانه قرب قلبه. ولذلك لا يوجد مثل المرأة قادرة أن تؤثر على قلب الرجل أي على حياته سلبًا كان أم إيجابًا. كذلك الأمر بالنسبة للمرأة حين تجد الرجل المناسب الّذي يحبها ويحميها تجد الصدر المناسب لها كضلع فتطمأن لمكانها في قلب رجلها وتنمو وتتطور بتناغم مدهش.
خلاصة القول أن الزواج بحسب مشروع الله الخلاصيّ هو دعوة لتأسيس شركة حبّ على مثال شركة الثالوث الأقدس.
جماعة حياة على مثال الثالوث في خدمة الحياة:
الحبّ الثالوثي، حبّ خلاّق ومتفجّر، حبّ غير منغلق على ذاته، حبّ تفجرّ في الزمن بخلق الإنسان وإعطائه الحياة من حياة الله. لذلك، تتطور شركة الحبّ بين الزوجان لتصير شركة حياة. وتتجلّى دعوة الرجل والمرأة هنا في الزواج بالدعوة لمشاركة الله في الخلق، مشاركة مسؤولة وواعيه، يعملان من خلالها على بناء عائلة هي في أساس بناء عائلة الله على الأرض.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المشاركة في الخلق مرتبطة ببركة الرّب، المرموز إليها بالأمر الّذي أطلقه الرّب: "وباركهما الله، بعد خلقهما، وقال لهما إنموا وأكثروا وأملأوا الأرض وأخضعوها"... بارك الله الحبّ الزوجي وجعله خصبًا يتحقق في تعهّد عمل الخلق تعهّدًا مشتركًا. هذه البركة تسبق التناسل، وترافقه. لذلك، فكل إتحاد بين الرجل والمرأة دون هذه البركة يُعّد زنى.
ولا يقتصر الأمر في بناء جماعة الحياة هذه على الإيلاد الجسدي، بل يتحقق بحسب إرادة الله حين يعمل الزوجان على بناء جماعة حياة تكون في خدمة الحياة من خلال الحبّ والتربية على الحبّ: هنا تتجلّى الدعوة لبناء عائلة تكون لكل فردٍ فيها، المكان الطبيعي الّذي ينمو ويتطور فيه بحسب معطياته الإنسانيّة والإلهيّة ويحقّق ذاته كإنسان علائقي لا ينمو ولا يتطوّر إلاّ إذا أحبّ وكان محبوبًا.
وهنا أيضًا تتجلّى حقيقة أخرى مرتبطة بهذا الدعوة السامية لبناء جماعة في خدمة الحياة، هي حقيقة قبول الأولاد كهبة وعطيّة ونعمة من الله وليس كحق. لذلك، تعلّم الكنيسة في هذا الشأن بأن الوسيلة الوحيدة للإنجاب هي الوسيلة الطبيعيّة، وترفض لهذا السبب كلّ أنواع الإخصاب الإصطناعي.
وتتضمن الدعوة لبناء جماعة في خدمة الحياة الدعوة لبناء شركة توّحد بين الزوجان والأولاد على أساس الحبّ والإحترام في الحقوق والواجبات. لذلك حين تتحقّق الشركة على هذا المستوى تصبح العائلة ما هي عليه بحقّ خليّة أساسيّة لمجتمع إنسانيّ صحيح.
2 - شركة حبّ وحياة مرتبطة بالله بعهد مقدّس:
الله الثالوث هو الخالق، منه الوجود ومعنى الوجود، منه الحياة وإليه تعود. الله الآب يقرّر الخلق ويتممه بابنه يسوع، كلمته الأزلية، ويقوده إلى كماله بالروح القدس. هذا الخلق وصل إلى قمته في الحسن والجمال مع خلق الإنسان الّذي جعله الله محورًا وسيّدًا على كلّ خلقه، يرعاه ويطوّره بحسب تدبيره الخلاصيّ. بحسب مشروع الله الخلاصيّ هذا تتجلّى أكثر فأكثر حقيقة دعوة الإنسان لتأسيس شركة حبّ وحياة، فنكتشف أن:
الله خلق الإنسان قادرٌ (الإرادة) أن يعرفه (الفكر، العقل) وأن يحبّه حُرًّا (الحريّة)، وأن يشترك في حياته. لذلك، يفقد الإنسان معنى الوجود وغايته حين ينفصل عن الله ويحاول بناء حياته بدونه.
الله أقام عهدًا معه أبديًا بأن يكون له إلهًا يحميه ويُحبّه ويخلّصه، ويطلب بالمقابل أن يُطيعه ويُحبّه. وقد عبّر الكتاب المقدس عن هذا العهد حين قال: "من جميع اشجار الجنّ تأكل، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً" (تك 2/15). لذلك كلّ شركة حبّ وحياة تقوم على غير الحبّ والطاعة لله، الطاعة لمشيئته، تخسر هذا الإنعام الإلهي وتعرّض نفسها للإنحلال والإنكسار.
ويصيران جسدًا واحدًا:
نجد أولاً في هذا الجسد صورة التكامل والتناغم كما بين أعضاء الجسد الواحد وليس صورة الإنصهار. ونجد ثانيًا دعوة لتحقيق هذه الشركة والوحدة في الزمن: فالصيرورة تعني أن الأمر يتحقق في المستقبل. والوحدة بالجسد هي وحدة مصير ووحدة مسار؛ وحدة مصير إذ يصيران شركاء في السراء والضراء؛ ووحدة المسار توّحد هدفهما الأخير واستراتيجية تحقيقه. وجماعة الحبّ والحياة المدعو لتحقيقها الزوجان تتحقق بقدر ما يبذل الشريكان من جهد ليعيشا بأمانة ما تطلّبه هذه الشركة من أمور ذكرناها سابقًا.
"إن الشركة العميقة، شركة الحياة والحبّ، التي يقيمها الزوجان، قد أسسّها الخالق وجهّزها بقوانينها الخاصة. فالله هو نفسه الّذي وضع الزواج". الدعوة إلى الزواج منقوشة في طبيعة الرجل والمرأة كما خرجا على يد الخالق. فالزواج ليس إذًا مؤسّسة محض إنسانيّة بل إلهيّة وإنسانيّة.
ما الّذي منع مشروع الله في الزواج أن يتحقق، ويمنعه حتى اليوم؟
إن مشروع الله في الزواج، الّذي تكلّمنا عن سابقًا، لم يتحقق بسبب الإنسان نفسه، خاصة بسبب سوء إستعماله لحريته في عيش ارتباطه بالله وفي إستثمار دوره داخل شركة الحبّ والحياة الزوجيّة، إن بتأثير عوامل نفسية إجتماعية وروحية من الداخل وإن بتأثيرات خارجية متعدّد.
هذا ما ترويه لنا قصّة إمتحان الحريّة والزلّة في سفر التكوين 3 ، 1 - 4:
"وكانت الحيةُ أحيلَ جميعِ حيواناتِ الحقولِ التي صنعها الربُ الإله. فقالت للمرأة : "أيقيناً قالَ اللهُ : لا تأكلا من جميعِ أشجارِ الجنة؟" فقالتِ المرأةُ للحية: "من ثمرِ أشجارِ الجنةِ نأكلُ، وأما ثمرُ الشجرةِ التي في وسطِ الجنةِ، فقال الله : لا تأكلا منه ولا تمساه كيلا تموتا". فقالت الحيةُ للمرأة: "موتاً لا تموتانِ، فالله عالم أنكما في يوم تأكلانِ منه تنفتحُ أعيُنُكُما وتصيرانِ كآلهةٍ تعرفانِ الخير والشر". ورأت المرأةُ أنَّ الشجرةَ طيبةٌ للأكلِ ومُتعَةٌ للعيون وأن الشجرةَ مُنْيَةٌ للتعقِّلِ. فأخذت من ثمَرِهَا وأكلت وأعطتْ أيضاً زوجَها الّذي معها فأكل. فانفتحت أعيُنُهما فعرفا أنهما عريانين. فخاطا من ورقِ التينِ وصنعا لهما مآزر. فسمعا وقع خطى الربِّ الإله وهو يتمشى في الجنةِ عندَ نسيمِ النهارِ، فاختبأ الإنسان وامرأته من وجه الربِّ الإلهِ فيما بين أشجارِ الجنة. فنادى الربُّ الإله الإنسانَ وقال له: "أين أنتَ؟" قال: "إني سمعتُ وقْعَ خُطاكَ في الجنةِ فخُفتُ لأني عريانٌ فاختبأتُ" قال: "فمن أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلتَ من الشجرةِ التي أمرتُكَ ألا تأكُلَ منها؟" فقالَ الإنسان: "المرأةَ التي جعلتَها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأَكَلْتُ". فقال الربُّ الإلهُ للمرأةِ: "ماذا فعلتِ؟" فقالت المرأة: "الحيةُ أغوتني فأكلتُ".
فقال الرب الإله للحية: "لأنك صنعتِ هذا فأنت ملعونةٌ من بين جميعِ البهائمِ، وجميعِ وحوشِ الحقل، على بطنِكِ تسلكينَ وتُراباً تأكُلينَ، طوال أيام حياتكِ.
وأجعل عداوةً بينكِ وبين المرأةِ، وبين نسلكِ ونسلَها
فهو يسحَقُ رأسَكِ وأنت تصيبينَ عقبهُ.
وقال للمرأة: "لأكَثَّرَنَّ مشقَّاتِ حَمْلَكِ تكثيراً.
فبالمشقةِ تلدين البنينَ، وإلى رجلكِ تنقادُ أشواقُكِ وهو يسودُكِ"
وقال لآدم: لأنكَ سمِعتَ لصوت امرأتَكَ فأكلت من الشجرة التي أمرتُك ألا تأكُلَ منها فملعونةٌ الأرَضُ بسببكَ، بمشقةٍ تأكُلَ منها طولَ أيام حياتِكَ وشوكاً وحسَكاً تُنبتُ لكَ، وتأكُل عشب الحقول. وبعرق جبينكَ تأكُلُ خُبزاً حتى تعودَ إلى الأرض، فمنها أُخذتَ لأنك تراب وإلى الترابِ تعود".
وسمى الإنسانُ امرأتهُ حواءَ لأنها أُمُّ كلّ حيٍّ وصنعَ الربُّ الإله لآدم وامرأته أقمطة من جلدٍ والبسهما. وقال الرب الإله: "هوذا الإنسان قد صارَ كواحدٍ منا، فيعرفَ الخيرَ والشر. فلا يَمُدَّنَّ الآن يدَهُ فيأخذ من شجرةِ الحياةِ أيضاً ويأكلَ منها فيحييا إلى الأبد. فأخرجه الربِّ الإله من جنة عدنٍ ليحرثَ الأرضَ التي أُخِذَ منها. فطرَدَ الإنسانَ وأقامَ شرقيَّ جنةِ عدنٍ الكروبينَ وشعلةَ سيفٍ متقِلبٍ لحراسة طريق شجرة الحياة"
يمكننا أن نكتشف من هذا النصّ الموحى به، الّذي جمع فيه الكاتب الملهم خبرة شعب الله الطويلة، أهم الأسباب التي منعت وتمنع الزوجان، في كلّ زمان ومكان، من تحقيق مشروع الله لهما ومن خلالهما في الزواج:
1- الإنفصال عن الله: "من أولى نتائج مقاطعة الله تصدّع الشركة الأصلية بين الرجل والمرأة. علاقاتهما تشوّهت باتهامات متبادلة؛ وميل أحدهما إلى الآخر، وهو الهبة التي حباهما بها الله نفسه، تحوّل إلى علاقات تسلّط وشهوة. ودعوتهما الجميلة إلى الخصب والتكاثر وإخضاع الأرض، أمست مرهقة بأوجاع الولادة وكسب الرزق". وإنحلال العهد الزوجي يغلب على الوحدة (تثنية الإشتراع 24 : 1 ؛ ميخا 2 :14-16)، وتتشوّه صورة الله في الإنسان.
هذا التنكّر لطبيعتنا كبشر مرتبطين في كياننا بالله، يتجلّى في رغبة الإنسان بأن يصير الله بدون الله، أي أن يصير كاملاً بدون الكامل. هذا الأمر يقود الإنسان والزوجان إلى الخوف والهرب من الله بدل الألفة معه (تكو 3 :8-9). كما ويمكن القول أن هذا التنّكر يقابله في الزواج من قبل الرجل والمرأة عدم وضع الله كمحور وغاية لحياتهما الزوجيّة.
2- أن يصير الإنسان شريعة لذاته: حين يتمرّد الإنسان على الله وينقض عهده ويخالف وصاياه، ينصّب ذاته سيّدًا على ذاته، فيقرّر خيره من شرّه دون العودة إلى الله ومشيئته وناموسه. يقابل هذه الحقيقة لدى الزوجين، قبل وفي الزواج، التعلّق واتباع مفاهيم وقيم وشرائع بشريّة تناقض إرادة الله.
3- الإستسلام لروح العالم ومغرياته: الحيّة التي أغوت المرأة، هي رمز للشرير. وما أغوى الشرير به آدم وحواء يقابله اليوم، كلّ ما يغوي الإنسان ويغريه ويجعله يزعزع ثقته بالله ويشكّك في صدق كلامه ووجوده ويقوده للإعتقاد بأنّه السيد المطلق على حياته ومصيره.
4- الإستقلاليّة في القرار: بدل المشاركة في التفكير، التفرّد بالقرار وفرضه على الآخر إن بالترهيب أو بالتهويل أو بالترغيب.
5- الأنانيّة: إستعمال الحريّة كطاقة لتأكيد الذات وإرضائها على حساب الآخرين في العائلة.
6- التسلّط: إستعمال السلطة الزوجيّة أو الوالديّة لا للخدمة وتنمية المواهب لدى الآخر، بل لفرض أيّ مشروع وتفكير شخصيّ عليه.
7- غياب الشهادة والتربيّة الصحيحة: التي تقوم بنقل الإيمان والقيم والمبادئ الخُلُقيّة والإجتماعيّة للأولاد، إن بسبب الجهل أو الإهمال، أو بسبب المثل السيء بالقول والفعل.
8- ضرب سلّم الأولويات: الناتج عن وضع العمل من أجل حياة كريمة في المكان الأول في الحياة العائليّة، على حساب العلاقة مع الله ومع أفراد العائلة. والناتج أيضًا عن ضع مصلحة الأولاد المقتصرة على الثقافة والحاجيّات البشريّة على أولويّة النموّ في الحبّ الزوجيّ والتربيّة على الإيمان والقيم للأولاد واشباع حاجاتهم النفسيّة. والناتج عن الفردانيّة على حساب الإرتباط الإجتماعيّ والكنسيّ الضروريّ، الّذي يتجلّى بانحسار علاقات الجيرة وغياب ظاهرة الزيارة وضعف العلاقات العائليّة الواسعة، الضروريّة لنموّ أفراد العائلة وحمايتها.
9- البحبوحة: القناعة بأن السعادة هي في الراحة الماديّة قبل كلّ شيء وفي المقتنيات.
10- الذهنية الإستهلاكيّة: كلّ شيء بأسهل الطرق وبأقل وقت، بحيث صار الإنسان عاجز عن التحلّي بالصبر وطول الأناة، كما وغير قادر على الإلتزام النهائي في رباط زوجيّ مع آخر.
11- الحداثة: شيّعت الحداثة فكرًا علمانيّا سلبيًا قائمًا على التحرّر من العودة إلى الله كمرجع خلقيّ أساسيّ ومطلق في كلّ القوانين والأنظمة، واستبدلته بالنسبيّة المرتبطة بالإنسان، بحيث صار الإنسان هو المرجع لذاته. وتتجلّى نتائج هذه الحداثة في ترسيخ الفردانيّة والماديّة التي تطيح بالشركة الزوجيّة القائمة على الحبّ والبعد العلائقيّ بما فيهما من ارتباط بالآخر وبذل للذات في سبيل خيره الشامل. كما وساهمت هذه الحداثة بأساليبها المختلفة التي طوّرت من ناحيّة وسائل التواصل بين البشر ومن ناحية أخرى استفادت من هذا الأمر لتمهّد لعولمة العالم وأخضاعه لفكر موّجه يشوّه العلاقة بين الثقافة والمجتمع ويفرّغ من "الذاكرة التاريخية“ أي البعد عن الأصالة، والثقافة من مضمونها السياسيّ والمجتمعيّ، وترسّخ التحول من الاهتمام بالعقل إلى التركيز على القوة والسلطة؛ حيث لم يعد الهدف هو الصدق الواقعيّ، بل أصبحت الأداتية Performativity هي القصد النهائيّ.
12- نظريّة الجندر: وهي نظريّة بدأت تنتشر ابتداء من الثمانينات في أميركا مع الفكر التحرّري النسائي الّذي راح في مطالبته بالمساواة إلى أبعاد لا علاقة لها بالحقوق والواجبات، بل بالمنافسة واثبات الذات. وتقوم هذه النظريّة على إلغاء الرباط بين الهويّة الجنسيّة والشريعة الطبيعيّة، تاركةّ للإنسان حريّة اختيار هويته الجنسيّة. الأمر الّذي أدّى إلى نشوء مفهوم جديد للجنس والحب والعائلة، بحيث أطلق اسم عائلة على الإتحاداث المثليّة.
هذه الأمور وغيرها من الأمور التي تناقض مشروع الله في الحبّ والزواج والعائلة كفيلة بأن تقود الزوجين ليفشلا مشروع الله الخلاصيّ لهما ومن خلالهما في الزواج.
خلاصـة
نرى عبر تاريخ الخلاص كيف أن نتائج الخطيئة بعد السقطة أصابت مؤسسة الزواج الإلهيّة، وساهمت في تقويضها وتشويهها وإبعادها عن مصيرها الإلهيّ. وهكذا وجد الزوجان نفسهما غير قادرين على الإنتصار والتحرّر فعليًا من أسر الخطيئة والشرّ، وبالتالي من تحقيق دعوتهما الإلهيّة: التشبّه بالحبّ الثالوثيّ والشهادة له عبر حبّهما.
لكن، منذ البدء أيضًا، لم تكن ولن تكون الكلمة الأخيرة للشر وللموت، للتناقض وللشهوة، بل لله وللحبّ. لذلك بالرغم من كلّ هذا لم تستطع الخطيئة تدمير مشروع الله الخلاصيّ في الزواج: الصورة تبقى ضرورة ودعوة، وتطلب أن تُرمم وتجدّد بكاملها وبحسب شبهها، فهي بحاجة لفداء.
وتاريخ الخلاص الّذي بدأ منذ الخلق كتعبير وتجلّي لحبّ الله الثالوث، إستمر بعد السقطة. فالله الثالوث، الأمين لذاته ولحبّه، لم يتخلّى عن مشروع حبّه، الّذي بدا وكأنه فشل بسبب رفض الإنسان له. بل تعهدّ تحقيقه بطريقة جديدة، لم يحلم بها إنسان ولم يتصوّره عقل بشريّ. لذلك نرى الله منذ البدء يعد الإنسان بأن يُرسل إليه مخلّص ليحقّق ما لأجله الإنسان خُلق، ويُعطي الإنسان أن يحقّق بنفسه ما لأجله خُلق. وكلمة الله نافذة، تخرج من فمه ولا تعود حتى تحقّق ما لأجله خرجت. لهذا كان التجسد والفداء بالكلمة الأزليّ.
1- راجع التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، عدد 1604.
2- راجع التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، عدد 1604.