كتّاب المحبّة
رحلة في تاريخ مدينة بيروت: "باريس الشرق"
نورد في ما يلي نبذة مختصرة وسريعة عن أبرز المحطات التاريخية في مدينة بيروت ولا نقصد هنا اجراء دراسة موسعة بقدر ما هي معلومات موضوعية مختصرة.
تسميات عدة أطلقت على مدينتنا العريقة بيروت؛ زهرة الشرق، باريس الشرق، سويسرا الشرق، ست الدنيا وسواها من التسميات التي تغنت ببيروت وبجمالها وبعراقتها، وتفسيرات وتأويلات للتسمية منها من ردها الى شجر الصنوبر ومنها الى ابنة الامبراطور وكانت تدعى جوليا بريتوس اغوسطا السعيدة، وسواها من التفسيرات حول اسم بيروت. لكنّ ما يعنينا هو تاريخ المدينة وحضارتها وأصالتها وهي التي تحتل موقعا بحريا، ناهيك عن الرأس الذي يضفي عليها جمالا ورونقا وصخرة في عمق شاطئها تمثّل روعة طبيعية من صنع الخالق ...
بيروت مدينة من اقدم من العالم، كوزموبوليتية هي، نظرًا لتعدد الشعوب والحضارات التي مرت عليها، فمن الفينيقيين وبدايات تأسيس المرفأ وعلاقاتهم مع المصريين في القرن ١٥ ق.م، وفي هذه الحقبة بني سور المدينة وابوابها السبعة (باب الدباغة، باب السرايا، باب ادريس...). هدموا بكاملهم مع عوامل الزمن. الى الرومان الذين بنوا فيها مدرسة الحقوق الشهيرة التي نافست مدارس الحقوق في أثينا وروما زهاء ٣٠٠ سنة من مسيرتها، غير أن الزلازل التي ضربت الساحل اللبناني أواسط القرن ٦، دمرتها ولم يبق منها الا الانقاض، اضافة الى تدمير المسرح الروماني والحمامات...ولشهرتها الحقوقية هذه، اطلق عليها اسم "بيروت ام الشرائع"، و"أم القانون"...
مع الحقبة الاسلامية، أضحت مركزاً للاسطول العربي من ايام الحكم الاموي الى الحقبة الايوبية في القرنين ١٣ و ١٤، وخلال الحقبة العباسية، لمع اسم الامام الاوزاعي في اواسط القرن ٨، الذي اشتهر بعدله وتسامحه فتسمت المحلة على اسمه حتى اليوم.
مع الصليبيين، تحولت الى بارونية، (اشبه ب ولاية) وبنيت فيها كنائس نذكر منها كنيسة مار يوحنا، ويرجح ان قلعتها بنيت خلال هذه الحقبة. مع المماليك، كانت دارًا للاسلام وميناء رئيسيا لبلاد الشام. والحقبة الاهم هي الحقبة العثمانية، وفيها انشئت العمارات العديدة؛ برج الكشاف في القرن ١٧ ( ساحة البرج)، السراي الكبير وهو في الاساس ثكنة عسكرية، السراي الصغير (هدم سنة ١٩٥٠)، اوتيلات في محلة الزيتونة (الشرق الكبير، رويال، النورماندي، كونتينانتال...)، الحجر الصحي او ما يعرف اليوم بالكرنتينا خلال فترة الحكم المصري (١٨٣١_١٨٤٠)، ومن الاهمية في تلك الحقبة، انشاء سكة حديد بين ستينيات القرن ١٩ والتسعينيات منه ربطت بيروت بالشام(طريق الشام)، فنشطت التجارة البرية مع الجوار العربي، تزامنا مع انشاء المرفأ بحلة حديثة اواخر هذا القرن، تأسيس أول مجلس بلدي في العام ١٨٦٧، ترامواي بيروت سنة ١٨٩٨، بنك عثماني سنة ١٩٠٦ اصبح يعرف باسم بنك سوريا ولبنان، مدرسة الصنائع سنة ١٩٠٧، الساحة الحميدية نسبة للسلطان عبد الحميد الثاني ...
وما زاد من اهميتها السياسية اعتمادها ولاية عثمانية في القرن ١٩، أدت ادوارا سياسية بارزة فكانت ملتقى القناصل الاوروبيين، وللغاية، تسابقت الارساليات الاجنبية على فتح مؤسسات تربوية فيها فأنشئت الكلية السورية الانجيلية ( الجامعة الاميركية سنة ١٨٦٦) والجامعة اليسوعية سنة ١٨٧٥، وجمعية المقاصد ١٨٧٨ وسواها من دور العلم العريقة، اضافة الى حركة الطباعة والنشر والتأليف...
وفي القرن العشرين، تحولت بيروت مركزا للفكر الوطني والقومي، وفيها انطلقت جمعيات مناهضة للاحتلال العثماني دفع البعض من شبانها ثمن نضالهم، فكانت ساحة "الشهداء" (اليوم) مسرحا لاستشهادهم في ٦ ايام ١٩١٦ بقرار من القائد العثماني جمال باشا، فأظهر الشهداء جرأة كبيرة ودفاعا عن قضيتهم الوطنية، لتتحول بعد نهاية الحرب العالمية الاولى مركزا للمفوض الفرنسي حتى الاستقلال سنة ١٩٤٣، وفي هذا القرن لمع اسم بيروت كعاصمة ثقافية، وضرب فيها المثل مع شقيقتيها العربيتين؛ بيروت تطبع، القاهرة تؤلف، بغداد تقرأ.
وباتت بيروت مركزاً سياحياً وتجارياً وثقافياً ومصرفياً عربياً لا بل دولياً... حتى تاريخ الحرب اللبنانية ١٩٧٥ التي ألمت بها وبأهلها وبلبنان عمومًا...
بيروت كانت وستبقى زهرة لبنان والشرق وست الدنيا...
البروفيسور روني سمعان خليل
أستاذ في مادة التاريخ في الجامعة اللبنانية