كتّاب المحبّة
أحرف من "الكلمة"
المسيح هو "الكلمة". كلمة الله. الله في كلمة. ونحن؟ هل نحن غبار أحرف؟ خيال كلمات؟ او اننا من كلمته، وجود؟ يقول لنا القديس يوحنا في خاتمة إنجيله: "هناك امور كثيرة قام بها يسوع لو كتبها أحد لضاق العالم كلّه بالكتب التي تحويها". برأيكم، ألسنا نحن كلام يسوع؟ ألسنا تحقيق تعاليمه؟ ألسنا شهوداً على قيامته؟ ألا يتكلّم الشاهد ويُخبر؟
لقد دلّ المعمدان، وقبله أنبياء العهد القديم، على الطريق، وكأن المعمدان خارطة للبنيان. توبواـ تعمدّوا، لقد اقترب الملكوت. اقترب موعد مجيء المسيح.
تلاميذ يسوع كانوا كتب تاريخ وجغرافيا وتربية مدنيّة.
كانوا كتب رياضيات وأدب، رياضة وشعر.
كانوا كل المعارف لأنهم تعلّموا من "المعلّم"، تعلّموا من يسوع.
عرفوا ان الجغرافيا هي المحبة التي تجمع الناس في مكان واحد لانتماء واحد. عرفوا ان التاريخ لا يُكتب خارج حدود السماء، وفقط بأحرف من نور.
عرفوا كيف تُصان الأرض من قبل ساكنيها، وكيف يجب ان يحسب البنّاء اذا أراد تشييد بيت. كل المعارف كانت بمتناول عقل وقلب تلاميذ يسوع. بالرغم من شكوكهم وإنكارهم، وحتى خيانتهم وهروبهم. أصبح فكرهم معرفةً تخطّت حدود ذكاء البشر. لقد استطاعوا ان يعلّموا الألوف، فحذا حذوهم الملايين بالمَثَل والنيّة. أبوابُ قلوبٍ لا تُعّد، انفتحت من خلال عمل الروح القدس في حياتهم، وبعد موتهم كذلك.
بطرس كان دليل حياة. مرّ في كل الحالات، إيجابًا وسلبًا. انحدر الى العمق. ثم تسلّق القمم، حيث وحدهم التائبون يقطنون. عنده جواب على كل الأسئلة، لأنو طرحها كلّها.
المجدليّة كانت المتخصّصة في اللغات. عرفت كيف تحكي لغة أهل الأرض، واستبدلتها بكل قناعة وإتقان، بلغة أهل السماء. انها أول مَن عاين قيامة الرب يسوع، فهي تجيد قول القيامة التي عاشتها في قلب موتها.
بولس كان موسوعة من الكتب. إسأل ما تشاء، تجد الجواب عنه لدى بولس. فلسفة، لاهوت، رياضة روحية، ساعة سجود، تأهيل مستمر... لقد تأهل على يد كل الأهليّة، يسوع، الذي منحه القدرة على محاكاة كل العقول.
أما الحبيب فهو المعجم. هو الذي يقدر ان يفسّر بكلمات قليلة أكبر المعاني. أوصل، من قلب يسوع وبلسان الروح القدس، كل رسائل الله، بوضوحٍ مفصّل كافٍ ووافٍ.
والعذراء مريم هي أجمل الكتب، هي كرسي الحكمة، الممتلئة نعمة. لقد احتوت كل الأسرار وتأملت بها في قلبها. مع القديس يوسف، أقدس إعلانٍ صامت عن الطاعة والتدبير، شيّدت العذراء أجمل بيت لرب الأرباب. وصارت مع حارس الفادي، مثالاً لكل العِيل، وفهرساً لمحتويات سفر الملكوت.
كتب الصلاة هم القدّيسون، صلاتهم لا ترجع خائبة ابدًا. صلاتهم لا تترك وحيدًا او مسكينًا. صلاتهم تصل الى قلب الله، وتأخذ منه القوة والقدرة. هم كتب الصلاة التي تتناقلها كل الأجيال بثقةٍ وإيمان.
ونحن؟ أي كتاب نحن على الأرض؟ هل يعلم كل واحد منا، عما يتكلم، عمّن يتكلم، وبأية لغة؟ تستطيع حياتنا ان تكون أجزاء من كتب، كل جزء يحكي عن عمرنا واختباراتنا. أجزاء تتوالى. نحكي قصتنا مع الله والناس، مع أنفسنا. قد نخبرهم أسطورة، فيلمًا خرافيًا، قد نستعمل عدة لغات، نقول اموراً ونخفي أخرى. ولكن، في العمق، نحن قصة تقول فصلاً من تاريخ الله مع شعبه. نحن لسنا افراداً وحسب. نحن افراد من جماعة. قد لا يفهم العالم ما نقول، ولكننا نعلم ونفهم. قد نستشهد بأحداث ومقولات جديدة او قديمة. قد لا نوصل فكرتنا بوضوح. لكن الأكيد هو اننا كثيرًا ما نعتقد ان لا احد يرى او يقرأ. لنحترسْ مما نقول، مما نفعل، ماذا نكتب. ما من سراج يضاء ويوضع تحت المكيال. ونحن، من النور، ومضة، شرارة. طوبى لمَن يُنير ولا يُعمي الأبصار.
منى عجاقة
تلفزيون وإذاعة صوت المحبة