كتّاب المحبّة

عائلاتنا في ظلّ الرحمة

عائلاتنا في ظلّ الرحمة

في يوبيل الرحمة الذي الذي كان قد دعا إليه قداسة البابا فرنسيس، يبقى اختبار الرحمة ضروريًّا للمؤمن المسيحيّ ليعرف جوهر الله الرحيم الذي خلقنا على صورته كمثاله. وبالتالي يكون المؤمن رحيمًا على مثال الآب السماويّ. ولكنَّ هذا المؤمن يريد إطارًا ليعيش هذا البُعد الأفقيّ والعموديّ أي مع القريب ومع الله. فمن العائلة إلى الرعيّة مرورًا بالمدرسة، ينمو المؤمن في ظلِّ رحمة الله اللامتناهية له، ويعكس في حياته اليوميّة أنوار الرحمة والمحبّة والغفران. فكيف يمكن أن تكون عائلاتنا مهد الرحمة في زمن التحدّيات والأزمات التي يعيشها إنسان اليوم؟ 

العائلة هي كنيسة بيتيّة حقيقيّة حيث تتجلّى محبّة الله ورحمته. والكنيسة هي مكان حضور الله، والعائلة أيضًا بوصفها كنيسة هي المكان الذي يكون فيه الله حاضرًا بنعمه الغزيرة، يؤاسيها في حزنها، ويزرع الفرح في أفرادها، يشجّعها ويباركها، يغفر لها آثامها، ويسامحها في لحظات ضعفها. فكما رحمة الله تجلّت في عائلة الناصرة من خلال يسوع ومريم ويوسف تتجلّى اليوم في عائلاتنا الشاهدة للمحبّة والرحمة. رحمته تجلّت من خلال المشروع الذي دعا إليه الزوجين في سرّ الزواج من خلال الحبّ والنعم الأبديّة. تجلّت رحمته أيضًا عندما يسمح الله أن تعيش عائلاتنا اختبار الضعف والمشاكل والصعوبات فيسكب رحمته، فتتجدّد وتنهض من كبوتها لتكمل مسيرة الحياة اليوميّة. 

والعائلة المسيحيّة هي التي تعرف أنَّ الحياة العائليّة تعترضها الصعوبات والتحدّيات، ولكنّها دائمًا بحاجة إلى رحمة الله ونعمه لتخطّي الحواجز والمعوقات. والنقص الذي يعتري الأسرة المسيحيّة لا يكتمل إلاَّ بنعمة الله ورحمته. والخمر الجيّد لا يعطيه إلاَّ يسوع بشفاعة أمّه مريم كما حصل في عرس قانا الجليل.

وعندما تختبر العائلة رحمة الله تصبح بدورها أيقونة حيّة تعكس تلك الرحمة في تعاطيها بعضها مع بعض ومع العائلات الأخرى. فالعائلة مدرسة بحدّ ذاتها يتعلّم أفرادها أهمّيّة الرحمة، فإذا ضعف أحد منهم نترك الرحمة تأخذ حيّزًا كبيرًا فيتجدّد الإنسان الآخر وينطلق في مسيرة جديدة ومتجدّدة. العائلة هي المهد حيث يتفتّح الإنسان على القيم المسيحيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة ويعيش اختبار المحبّة والرحمة لينقل ما تعلّمه في البيت من أعمال الرحمة إلى المدرسة فالمجتمع. 

اتركوا عائلاتنا تعيش تحت رحمة الله ومحبَّته لتكون خميرة رحمة في مجتمع يعيش الأنانيّة والفرديّة ليصبح يومًا بعد يوم أسير المادَّة والجماد فتخمد فيه شعلة الرحمة والمحبّة والغفران.


الخوري طوني بو عساف

دكتور في العلوم التربوية 

من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه


عودة إلى المقالات