كتّاب المحبّة

الكاهن بين الأمانة والرجاء: قراءة راعوية في رسالة البابا لاون الرابع عشر.

الكاهن بين الأمانة والرجاء: قراءة راعوية في رسالة البابا لاون الرابع عشر.

في رسالته الرسولية الأخيرة، يقدّم قداسة البابا لاون الرابع عشر تأمّلًا عميقًا في واقع الحياة الكهنوتية اليوم، كاشفًا جمالها وتحدّياتها، وموجّهًا أنظار الكنيسة إلى نقطة ارتكاز أساسية لا غنى عنها: الأمانة، تلك الأمانة التي «تُولِّد مستقبلًا» وتفتح آفاق الرجاء وسط الأزمات.

فالكنيسة، في نظر الحبر الأعظم، لا تحتاج إلى كهنة خائفين أو مفرطي النشاط، ولا إلى كهنة يبحثون عن الظهور أو يتمركزون حول ذواتهم، ولا إلى «نجوم» على وسائل التواصل الاجتماعي، بل إلى كهنة يشهدون بفرح الإنجيل، ويعيشون خدمتهم «بفرحٍ وغيرةٍ رسولية، رغم ضعف الطبيعة البشرية»، حاملين بشجاعة رسالة تبشير شاملة تطال جميع أبعاد الحياة الإنسانية، من الثقافة إلى الاقتصاد والسياسة، لكي يُعاد كلّ شيء إلى وحدته في المسيح.

ومن خلال تسعةٍ وعشرين بندًا، يوجّه البابا كلمته لا إلى الكهنة وحدهم، بل إلى الكنيسة جمعاء، داعيًا إلى تجديد يومي للخدمة الكهنوتية، بالعودة إلى جذورها العميقة، أي إلى الشركة الحيّة بين المسيح وكنيسته. فالكاهن، بحسب هذا المنظور، ليس موظّفًا دينيًا ولا صاحب مشروع شخصي، بل تلميذ مرسَل، يعيش خدمته في قلب جماعة المؤمنين وفي خدمتها، بحسب قلب المسيح الراعي الصالح.

ويذكّر البابا بأنّ هذه الدعوة تندرج في سياق مسيرة المجمع الفاتيكاني الثاني، ولا سيّما مرسومي Optatam totius وPresbyterorum Ordinis، اللذين هدفت الكنيسة من خلالهما إلى تكوين كهنة يجمعون بين أمانة الهوية وانفتاح الرسالة. وبعد مرور ستين عامًا، يعود البابا ليؤكّد أنّ هذا المسار يبقى راهنًا، ويحتاج إلى «ارتداد دائم» يطال الذهن والقلب وأسلوب العيش.

في قراءته لتحدّيات الكهنوت المعاصر، لا يتردّد الحبر الأعظم في تسمية بعض التجارب التي تهدّد الخدمة يضعها في خانة الأمراض والانحرافات النفسية: تمجيد الذات، النرجسية، المرجعية الذاتية، الفردانية، وهمُ الفعالية المقاسة بعدد الإنجازات، أو على العكس، الانكفاء الخائف واليأس الراعوي. وفي مواجهة هذه الانحرافات، يدعو البابا إلى منطق الإصغاء والخدمة، وإلى تمييز حكيم في استخدام وسائل التواصل، بحيث تبقى دومًا في خدمة البشارة لا في خدمة الذات.

كما يشدّد على ضرورة تجاوز أنماط القيادة الفردية المنغلقة، لصالح أسلوب رعوي تشاركي، سينودسي، يقوم على التعاون بين الكهنة والشمامسة والعلمانيين. فالكاهن، في نظر البابا، ليس فوق الجماعة بل في قلبها، أخٌ بين إخوة، يشترك مع الجميع في كرامة المعمودية، ويخدمهم بخصوصية الدعوة الكهنوتية لا بروح التسلّط أو التفوّق.

ولا تغفل الرسالة الجراح العميقة التي تعيشها الكنيسة: جرح الإساءات، وأزمة الثقة، ووحدة الكهنة، وترك بعضهم الخدمة، وأزمة الدعوات. أمام هذه الآلام، لا يقدّم البابا حلولًا تقنيّة، بل يدعو إلى عودة صادقة إلى التكوين المتكامل، حيث تنسجم الإنسانية الناضجة مع الروحانية العميقة، ليصبح الكاهن قادرًا على عيش العزوبة كشهادة حبّ حرّ، وعلى إعلان إنجيل المسيح القائم بصدق ومصداقية.

وفي هذا الإطار، يؤكّد البابا على قيمة الحياة البسيطة والعفيفة، وعلى التوازن الضروري بين التأمّل والعمل، محذّرًا من وحدة قاتلة تُطفئ الاندفاع الرسولي. ويشدّد على الأُخوّة الكهنوتية، المتجذّرة في سرّ الكهنوت نفسه، كعنصر بنيوي في هوية الكاهن، داعيًا الكنائس المحلية إلى تشجيع أشكال الحياة المشتركة والداعمة.

لا يغفل الحبر الأعظم الدور المتنامي للخدمة الشمّاسية، ولا سيّما حين تُعاش في شركة مع العائلة، معتبرًا إيّاها عطية يجب تقديرها ومرافقتها. كما يضع أزمة الدعوات في قلب المسؤولية الجماعية للكنيسة، داعيًا إلى الجرأة في مخاطبة الشباب بدعوات واضحة ومحرِّرة، مذكّرًا بأن «لا مستقبل من دون العناية بجميع الدعوات».

يختم البابا تأمّله مستعينًا بكلمات القديس يوحنا ماري فيانّي، خوري آرس، الذي لخّص سرّ الكهنوت بقوله: «الكهنوت هو محبّة قلب يسوع». محبّة قادرة، اليوم كما أمس، على تبديد غيوم العادة، والإحباط، والوحدة، وفتح دروب الرجاء أمام كهنة الحاضر والمستقبل.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات