كتّاب المحبّة
القديس مارون مثالُنا في عيش دعوتنا المسيحيّة
عندما جاء اندراوس وفيليبُس إلى يسوع وقالا له أن قومًا من اليونانيين يُريدون أن يَرَوه، أجابهما يسوع أن قد أتت الساعة التي فيها يتمجّد ابنُ الإنسان. لقد تجلّى مجدُ يسوع على الصليب عندما بذل ذاتَه حُبًا بنا لتكون لنا الحياة؛ مات وقام ليُشركَنا في سرّ موته، فنموتَ معه عن الخطيئة، ويُعطيَنا بقيامته أن نحيا معه حياةً جديدة كأبناءٍ لله بقوة الروح القدس. لذلك تكلّم يسوع عن حبة الحنطة التي تُعطي الثمار الكثيرة بعد أن تموت، وأنّ من يُحبُّ نفسَه يفقدُها، ومن يُبغضُ نفسَه في هذا العالم يحفظُها للحياة الأبدية.
يسوع هو حبةُ الحنطة هذه، لأنه رضِيَ أن يُقدِّمَ حياتَه ويموتَ معلّقًا على الصليب بين الأرض والسماء ليَصِلَ الأرضَ بالسماء، ويَهَبَ الإنسانَ مغفرةَ الخطايا وأن يحيا علاقةً جديدة مع الله بروح البنوة الحقيقية، ويُعطيَه أن يتوقَ إلى السعادة الحقيقية وأن يربحَ الحياةَ الأبديّة عبر عيش المحبة والعمل بموجب كلام الله الذي يرسم له الطريق نحو الملكوت.
لقد اختار القديس مارون أن يسيرَ وراءَ الربِ يسوع في حياةِ التخلّي عن الذات والموتِ عن العالم، فعاش تكرُّسَه للرب في النُسك والتقشّف والصلاة وعبادة الله في العراء على قمة جبل قورش. فعلى مثال الربِ يسوع، المعلّمِ الأسمى، صار القديسُ مارونُ حبةَ الحنطة التي ماتت عن أمجاد هذا العالم ومباهجِه ليكونَ لأبناء عصره علامةً بإيمانه وصلاتِه واتحادِه بالرب يسوع، وشاهدًا للكنز الذي وجدَه والذي جعلَه يتوقُ بكلّ كيانه إلى ربح الملكوت السماوي. لقد جذب القديسُ مارون بحياته وقداسته المئات من الرجال والنساء من أبناء وبنات عصره، وصار لهم مثالاً يُقتدى به ومعلّمًا للحياة الروحيّة، ومقصدًا لكلّ طالبِ نعمة إن على المستوى الجسديّ أو الروحيّ.
ونحن اليوم، نردّدُ في العديد من الصلوات التي نتلوها في عيد أبينا مار مارون، "أعطنا يا رب أن نقتفي خطى أبينا القديس مارون، وهب لنا أن نسيرَ سيرتَه أمامك". فكيف نقتفي خُطى قديسٍ ناسك هجر الدنيا، وكيف يمكنُنا أن نسيرَ سيرتَه، ونحن نعيش في قلب العالم وفي خضمّ هذه الحياة وهمومِها ومشاغلِها؟ في الواقع، نحن نستلهِمُ مثال القديس مارون ونقتفي خطاه عندما نُعيدُ الله إلى أولوياتِنا، وعندما نؤمن أنه الخيرُ الأعظم والكنزُ الذي يُغني حياتَنا. نحن نعيشُ في زمنٍ مادّيّ تطغى عليه المادة، وفي عصرٍ يُقنعُنا بأن السعادةَ وتحقيقَ الذات في الحياة يقومان على الغنى والمال وامتلاك المئات من الأشياء، إلى درجة نسيان الله أو الاكتفاء بالتوجّه إليه عندما نحتاجُه في المُلِمّات والصعاب والمرض. فالقديس مارون في نُسكِه وتخلّيه وقداسةِ حياتِه يُذكِّرُنا بأن اللهَ يجبُ أن يكونَ الأولَ في حياتِنا، ويذكّرُنا بأن عيشَ الإيمان الحقيقي الذي يقودُ إلى السعادةِ الحقّة يرتكزُ على الوصيةِ الأولى التي بها اختصرَ الربُ يسوع كلَّ الوصايا والشرائع: "اِسمع يا إسرائيل: إن الربَّ إلهَنا هو الربُ الأحد. فأحبب الربَ إلهَك بكل قلبك وكل نفسِك وكل ذهنِك وكل قوّتِك"، ويرتكزُ أيضًا على الوصية الثانية التي تُساعدُنا على تطبيق الإيمان في الحياة اليومية، وهي "أحبب قريبَك حُبَّك لنفسِكَ".
هذا الإيمان الشاهد للأمانة للرب وللقيم الإنجيليّة عاشه الموارنةُ عبر العصور وحافظوا عليه بعنايةٍ فائقة بالرغم من قرونٍ طوال قاسوا فيها أهوال الحروب والغزوات والاضطهادات. حافظوا على إيمانِهم، على كنزِهم الثمين هذا، تدفعُهم محبتُهم لربّهم وللعذراء مريم وللقديس مارون وجميع القديسين الذين ساروا درب الكمال، وتُثبِّتُهم فيه محبتُهم لكنيستِهم وتمسُّكُهم بالصلاة والعبادة مع كهنتِهم ورهبانِهم، وتلك القناعة بأن الطوبى التي أعلنها الربُ يسوع للفقراء وللودعاء وللرحماء ولأنقياء القلوب ولفاعلي السلام هي السعادة الحقيقية التي تتحقق في حياة المؤمن عندما يُحب وعندما يُصغي إلى كلام الله ويسعى إلى تطبيقِه في حياته.
هذا ما يُعبِّر عنه المُستشرق النمساويّ المونسنيور مِسْلِين في كلامه عن العائلة المارونية عندما زار لبنان والوادي المقدس قنّوبين في القرن التاسع عشر، فكتب قائلاً: "تقوم العائلةُ في لبنان على الحزم والقداسة. وإلى ذلك مردُّ الطهارة في الأخلاق والآداب هناك، المتفوّقة على ما عندنا نحن. يُطيعون القدماء والمتقدّمين فيهم، لأن اللهَ يأمرُ بذلك. وهم لن يرضَوا أن تُصبحَ الخيانةُ والباطلُ والغرورُ وعدمُ الخبرة أساسًا لسياسة العائلة والمجتمع. يعتبرون الكاهنَ كوكيلٍ الله، ويعتمدون على تعاليم الإنجيل التي يحفظونها في قلوبهم ويُمارسونها بالفعل. لذلك أُحبُّ هذا الشعب الوديع، الأنيس، البسيط، الصالح، المؤمن... وأقول أيضًا المُنوَّر الراقي، ولا نورَ ولا رُقيَّ في غير الإيمان".
أليس هذا ما نحتاج أن نُحافظ عليه وأن نستَعيدَه اليوم في عائلاتِنا المارونيّة والمسيحيّة عامةً كي تبقى شاهدةً للإيمان في عالم اليوم؟ يربط المونسنيور مِسْلين الرُقيّ والطهارة والآداب والأخلاق بنور الإيمان. فالعائلة التي تُحافظ على الإيمان، والتي تلتزم بنقلِه إلى أبنائها وبناتِها، تنقل معه القيم المسيحيّة والإنسانيّة التي تؤهّلهم ليكونوا في المجتمع خميرةً صالحة، فيُملّحوا العالم بشهادة حياتِهم التي تعكسُ إيمانَهم بالرب يسوع.
فلنُصلِّ يا إخوتي على نية وطننا لبنان الفريد برسالته كي يبقى وطن الرسالة في الحوار والعيش المشترك، ولنصلِّ أيضًا إلى الرب على نية كنيستنا وغبطة أبينا السيد البطريرك وجميع المطارنة والكهنة والرهبان والراهبات كي نبقى جميعُنا أمينين لدعوتِنا ومواظبين بأمانةٍ في الرسالة والخدمة التي دعانا إليها الربُ يسوع على مثال شفيعنا القديس مارون، له المجدُ إلى الأبد. آمين
المطران ميشال عون
راعي أبرشية جبيل المارونية