كتّاب المحبّة
خميس الأسرار: درب المحبّة… في زيارة السبع كنائس
تُعدّ زيارة السبع كنائس من أبرز الممارسات الروحية في يوم خميس الأسرار لدى الكنيسة الكاثوليكية، حيث ينطلق المؤمنون في مسيرة إيمانية تعبّر عن محبتهم للمسيح ومرافقتهم له في آلامه. ومن خلال هذا التقليد، يعيش المؤمن حالة من الصلاة والصمت الداخلي، متنقّلًا بين الكنائس، متأمّلًا بسرّ الفداء. فما أصل هذه العادة، وما رمزيتها؟
يعود أصل هذه الممارسة إلى تقليد قديم تعود جذوره إلى القرن الرابع، بعد اهتداء الإمبراطور قسطنطين وإصداره مرسوم ميلانو سنة 313. وقد انطلقت هذه العادة بشكل خاص في روما، المدينة المعروفة بتلالها السبع، حيث اعتاد المسيحيون زيارة قبور الشهداء. ومع قيام القديسة هيلانة ببناء كنائس فوق هذه القبور، تحوّلت الزيارة إلى ممارسة عبادية تتضمّن السجود للقربان المقدس. ومع مرور الزمن، انتشرت هذه العادة داخل روما وخارجها، وأكّد عليها عدد من الباباوات، مشدّدين على أهميتها كمسيرة إيمانية تعبّر عن التأمل في آلام المسيح.
وتهدف زيارة السبع كنائس إلى التأمل في مراحل محاكمة يسوع وآلامه، حيث يعيش المؤمن هذه الأحداث روحيًا من خلال التوقّف للصلاة في كل كنيسة. فكل محطة تمثّل مرحلة محدّدة من مسيرة الآلام، بحيث تُخصّص كنيسة لكل مرحلة.
تبدأ الزيارة بصلاة افتتاحية تتضمّن فعل الندامة، ثم ينتقل المؤمن إلى المحطات السبع المستوحاة من الأناجيل المقدسة، وفق الترتيب التالي:
في الكنيسة الأولى، يُستعاد انتقال يسوع من العليّة، حيث احتفل بالعشاء الأخير مع تلاميذه، إلى بستان الزيتون، حيث صلّى بحرارة وتصبّب عرقه كالدم من شدّة عذابه (راجع لوقا 22: 39-46).
في الكنيسة الثانية، يتأمّل المؤمن في اقتياد يسوع من بستان الزيتون إلى بيت حنّان، حيث خضع للاستجواب وتعرّض للصفع (راجع يوحنا 18: 19-22).
في الكنيسة الثالثة، يتركّز التأمّل على نقله إلى بيت قيافا، حيث أُهين وضُرب وبُصق عليه، وقضى ليلة أليمة في الأسر (راجع متى 26: 63-68).
في الكنيسة الرابعة، يتأمّل المؤمن في مثول يسوع أمام بيلاطس البنطي للمرة الأولى، حيث اتُّهم بأنه ملك ينافس قيصر (راجع يوحنا 18: 35-37).
في الكنيسة الخامسة، يتبع المؤمن يسوع إلى الملك هيرودس، الذي سخر منه مع حراسه (راجع لوقا 23: 8-11).
في الكنيسة السادسة، يُستعاد مشهد عودته إلى بيلاطس، حيث جُلد وأُلبس إكليل الشوك وسُخر منه، قبل أن يُحكم عليه بالموت (راجع متى 27: 22-26).
أما الكنيسة السابعة والأخيرة، فتُحيي ذكرى حمل المسيح الصليب إلى الجلجلة، حيث تألّم ومات ودُفن، بانتظار فجر القيامة (راجع متى 27: 27-31).
وتُختتم الصلاة في كل كنيسة بتلاوة صلاة "الأبانا"، "السلام" و"المجد"، إضافة إلى صلاة: "يا يسوع ابن الله الحي، ارحمنا نحن الخطأة وخلّصنا"، على أن تُختم الزيارة بصلاة ختامية جامعة.
في الختام، تبقى زيارة السبع كنائس أكثر من مجرّد تقليد، فهي مسيرة روحية عميقة يرافق فيها المؤمن المسيح في درب آلامه، متأمّلًا بمحبة الله التي تجلّت في سرّ الفداء. ومن خلال هذه المسيرة، يجد الإنسان فرصة حقيقية للتوبة والصلاة وتجديد إيمانه، استعدادًا لفرح القيامة ونور الحياة الجديدة.