الأخبار
البابا لاوُن الرابع عشر: الرجاء هو اتّخاذ موقف يشعل نار الإنجيل في العالم
شدّد قداسة البابا لاوُن الرابع عشر على أنّ الرجاء المسيحي ليس شعورًا مجرّدًا بل اتّخاذ موقف، مؤكّدًا "أن نرجو يعني أن ندرك في القلب ونُظهر في الأفعال أنّ الأمور لا يجوز أن تستمر كما كانت"، وذلك خلال المقابلة العامة اليوبيلية مع المؤمنين والحجّاج التي ترأسها صباح اليوم السبت ٢٢ تشرين الثاني ٢٠٢٥ في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان.
استهلّ الحبر الأعظم تعليمه بالتوقّف عند خبرة الحجّ إلى روما، معتبرًا أنّ وجود آلاف المؤمنين في الساحة هو ثمرة قرار اتُّخذ في لحظة نعمة داخلية: "في البداية يتحرّك شيء ما في داخلكم، ربما بفضل كلمة أو دعوة من شخص آخر، وهكذا فإن الربّ نفسه هو من يمسك بأيديكم. كانت هناك رغبة، ثم جاء القرار، وبدون هذا القرار لما كنتم هنا"، داعيًا الجميع إلى تذكّر هذه اللحظة وعدم نسيانها.
وانطلق البابا من آية الإنجيل: "ومَن أُعطي كثيرًا يُطلَبُ منه الكثير، ومَن أودِعَ كثيرًا يُطالَبُ بأكثر منه" (لو ١٢: ٤٨)، ليذكّر بأنّ تلاميذ المسيح، ومن بينهم المؤمنون المجتمعون في روما، نالوا الكثير من مرافقته ومن حياة الكنيسة، رغم حدودها البشرية، ولذلك "يسوع ينتظر منا الكثير، وهذه علامة ثقة ومحبة، فهو يعرف إمكاناتنا ويثق بنا".
وتوقّف قداسة البابا عند صورة النار الإنجيليّة، فقال إنّ يسوع "جاء ليحمل إلى الأرض نار محبّة الله، وفي قلوبنا نار الرغبة"، موضحًا أنّ هذه النار لا تتركنا أسرى "سلامٍ مزيّف" يقوم على الراحة واللامبالاة: "أحيانًا نريد أن نُترك في سلام، ألا يزعجنا أحد، وألا يكون هناك وجود للآخرين. لكن هذا ليس سلام الله؛ السلام الذي يحمله يسوع هو سلام كالنار، يطلب منا الكثير، ويبدأ بطلب أساسي: أن نتّخذ موقفًا أمام الظلم واللامساواة، وحيثما تُداس الكرامة البشرية ويُحرم الضعفاء من الكلمة". وهنا أكّد البابا أنّ الرجاء الحقيقي هو هذا الموقف العملي الذي يعبر عن قناعة داخلية بأن "الأمور لا يمكن أن تبقى كما كانت"، وهذه هي "نار الإنجيل الصالحة".
وفي هذا السياق، استحضر البابا لاوُن الرابع عشر مثال دوروثي داي، التي وصفها بـ"امرأة أمريكية عظيمة وصغيرة في الوقت نفسه"، عاشت في القرن الماضي وكانت تحمل في داخلها نارًا دفعتها إلى اتخاذ موقف واضح. فقد رأت أنّ نموذج التنمية في بلدها لا يوفّر الفرص للجميع، وأن "الحلم الأمريكي" يتحول إلى كابوس لكثيرين، وأدركت أنّ عليها كمسيحيّة أن تعمل من أجل العمّال والمهاجرين وكلّ الذين يُقصيهم "اقتصاد يَقتل". فبدأت تكتب، وتفكّر، وتُفكّر الآخرين، وتخدم في الوقت عينه، في جمعٍ حيّ بين العقل والقلب واليدين.
وأوضح الأب الأقدس أنّ دوروثي داي كتبت كصحافية لتوقظ الضمائر، وفي الوقت نفسه قدّمت الطعام والملابس، وعاشت بأسلوب بسيط يشبه من كانت تخدمهم، فصار الرجاء عندها موقفًا ملموسًا. ثم أشركت آلاف الأشخاص في هذه المسيرة، ففتح كثيرون بيوتهم في مدن وأحياء عديدة، لا كمراكز اجتماعية باردة، بل كـ"أماكن للمحبة والعدالة"، يُنادى فيها الأشخاص بأسمائهم ويُعرَفون واحدًا واحدًا، ويتحوّل فيها الاستياء إلى شركة وفعل.
وختم قداسة البابا لاوُن الرابع عشر تعليمه مؤكدًا أنّ هؤلاء هم "صانعو السلام" الحقيقيون، الذين "يتّخذون موقفًا، يتحمّلون تبعاته، ويسيرون قُدُمًا". وأضاف: "الرجاء هو اتّخاذ موقف، مثل يسوع، ومع يسوع. ناره هي نارنا، وليُذْكِها اليوبيل فينا وفي الكنيسة بأسرها"، داعيًا المؤمنين إلى السماح لهذه النار بأن تغيّر قلوبهم وواقعهم، فيصبحوا شهودًا للرجاء في عالمٍ جريح يحتاج إلى وجه المسيح وسلامه.