الأخبار
البابا يحتفل بعيد سيدة غوادالوبي: معكِ يتحوّل الشتاء إلى موسم ورود!
احتفل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، عصر اليوم الجمعة، بالقداس الإلهي في بازيليك القديس بطرس في الفاتيكان، لمناسبة عيد العذراء مريم سيّدة غوادالوبي، حيث ألقى عظة روحية عميقة تمحورت حول دور مريم في استقبال المسيح وحمل البشارة إلى الشعوب، ولا سيّما في قارة أميركا اللاتينية.
انطلق البابا في عظته من القراءة المأخوذة من سفر يشوع بن سيراخ، التي تُظهر حكمة الله في صورة شعرية تجد كمالها في المسيح، "حكمة الله" الذي "لمّا حلَّ ملء الزمان صار جسداً، مولوداً من امرأة". وأوضح أن التقليد المسيحي اعتاد أن يقرأ هذا النص بروح مريميّة، لأنّه يذكّر بالمرأة التي أعدّها الله لتستقبل المسيح، سائلاً: "من غير مريم يمكنها أن تقول: فيّ كل نعمة الطريق والحق، وكل رجاء الحياة والفضيلة؟" ولذلك، لم يتردد التقليد في الاعتراف بها كـ"أمّ الحب".
ثم توقّف عند الإنجيل الذي يُظهر كيف عاشت مريم ديناميّة الشخص الذي يسمح لكلمة الله أن تدخل حياته فتبدّلها. فهذه الكلمة، "كَنارٍ ملتهبة لا يمكن احتواؤها"، تدفع المؤمن إلى إعلان فرح العطيّة التي نالها. وهكذا، إذ ابتهجت مريم ببشارة الملاك، "فهمت أن كمال فرح الله يتحقق في المحبة"، فسارعت إلى بيت أليصابات.
وأشار البابا إلى أن دعوة الملاك لها "يا ممتلئة نعمة" هي كلمات "أحلى من العسل"، إذ يكفي سلامها ليجعل الجنين يرتكض في حشا أليصابات، التي قالت مفعمة بالروح القدس: "من أين لي أن تأتيني أم ربي؟". وقد بلغت فرحة مريم ذروتها في نشيد "تعظّم نفسي الرب"، حيث تعترف بأن سعادتها تنبع من إله أمين "بارك شعبه بميراث ألذّ من شهد العسل"، أي بحضور ابنها.
وذكّر الأب الأقدس بأن مريم حملت هذا الفرح طوال حياتها إلى حيث لا يكفي الفرح البشري، "وحيث نفد الخمر"، كما في عرس قانا، وكذلك في غوادالوبي، حيث أيقظت في شعوب القارة الأميركية فرح معرفتهم بأنّهم محبوبون من الله. واستعاد ظهوراتها عام 1531 للقديس خوان دييغو في "تيبيياك"، حين طلبت إقامة "بيت صغير مقدّس" يُمجَّد فيه الله ويُعلَن، مؤكدةً له: "أفلستُ أنا أمّك هنا؟" وهو صوت، كما قال البابا، يتردد فيه "وعد الأمانة الإلهية" وحضور الله الذي يعضد الإنسان عندما تصبح الحياة لا تُحتمل.
وتابع موضحاً أن هذه الأمومة المعلَنة تجعل المؤمنين يكتشفون هويتهم كأبناء: فمن يسمع "أنا أمّك"، يتذكّر أنّه عند أقدام الصليب دوّى القول: "هذه أمّك" و"هذا ابنك". وقال البابا: "وكأبناء نتوجّه إليها سائلين: يا أمّنا، ماذا يجب أن نفعل لنكون الأبناء الذين يشتهيهم قلبكِ؟" وهي، الأمينة لرسالتها، تُجيب بحنان: "افعلوا ما يأمركم به". وأضاف قائلاً: "نريد أن نكون أبناءك حقاً: قولي لنا كيف نتقدّم في الإيمان عندما تخور القوى وتتزايد الظلال. اجعلينا ندرك أن معكِ، يتحول حتى الشتاء إلى موسم ورود".
وبصفته "ابناً" كما قال، توجّه البابا إلى العذراء متوسلاً: "أن تعلّم الأمم التي ترغب أن تكون بناتها ألّا تقسّم العالم إلى "فصائل لا يمكن مصالحتها"، وألّا تسمح للكراهية بأن تطبع تاريخها، ولا للكذب بأن يكتب ذاكرتها"، و طلب "أن تُظهر للحكّام أن السلطة يجب أن تُمارَس "كخدمة لا كسيادة"، وأن تذكّرهم بواجب صون كرامة كل إنسان في جميع مراحل حياته، كي تصبح مجتمعاتهم أماكن يشعر فيها كل شخص بأنه مرحَّب به".
كما طلب منها أن ترافق الشباب ليجدوا في المسيح "القوة لاختيار الخير والشجاعة للثبات في الإيمان"، وألا يسمحوا لتهديدات الجريمة والإدمان وحياة بلا معنى بأن تطغى على قلوبهم. ودعاها أن تبحث عن الذين ابتعدوا عن الكنيسة: "لتصلهم نظرتكِ حيث لا تصل نظرتنا، وتهدمي الجدران التي تفصلنا، وتعيديهم إلى البيت بقوة حبكِ"، وأن تميل قلوب الذين يزرعون الشقاق نحو رغبة المسيح "في أن يكون الجميع واحدًا".
وتوجّه البابا إلى العذراء أيضًا كي تقوّي العائلات، "فيُربّي الآباء والأمهات، اقتداءً بمثلكِ، بحنان وثبات، ليكون كل بيت مدرسة للإيمان"، وأن تُلهم المربّين لنقل الحقيقة "بحلاوة ودقّة ووضوح نابع من الإنجيل". كما طلب منها أن تشجّع الكهنة والمكرّسين على الأمانة اليومية، وأن تحفظ حياتهم الداخلية في الصلاة، وتحميهم من التجارب وتعضدهم في التعب.
وفي ختام عظته، صلى البابا لاوُن الرابع عشر قائلاً: "أيتها العذراء القديسة، اجعلينا نحفظ الإنجيل في قلوبنا مثلكِ... اجعلينا نعيش مقتنعين بأنّه حيثما تصل البشرى السارة، يصبح كل شيء جميلاً، ويستعيد كل شيء صحته، ويتجدد كل شيء".
وختم بالتوجّه إلى العذراء سيدة غوادالوبي: "يا أمّ الإله الحقّ الذي به نحيا، تعالي لمعونة خليفة بطرس، لكي أُثبّت على الطريق الوحيد الذي يقود إلى ثمرة بطنك المباركة جميع الذين أوكلوا إليّ... واجعلينا، إذ نثق بحمايتكِ، نتقدّم متّحدين أكثر فأكثر، مع يسوع وفيما بيننا، نحو المسكن الأبدي الذي أعدّه لنا والذي تنتظريننا فيه"