الأخبار

المحليّات

البطريرك الراعي: الميرون وديعة الروح القدس وعلامة وحدة الكنيسة عبر الأجيال

البطريرك الراعي: الميرون وديعة الروح القدس وعلامة وحدة الكنيسة عبر الأجيال

بحضور جميع أساقفة الكنيسة المارونية من لبنان وبلاد الانتشار، ترأس غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مساء الجمعة 5 حزيران 2026 في الصرح البطريركي في بكركي، رتبة تقديس زيت الميرون المقدس بحسب طقس الكنيسة الأنطاكية السريانية المارونية، في احتفال ليتورجي مهيب يُعدّ من أعمق وأغنى الرتب الكنسية، لما يحمله من معانٍ لاهوتية تعبّر عن استمرارية النعمة الرسولية وعمل الروح القدس في الكنيسة.

وجاء الاحتفال ثمرة مبادرة انطلقت من الحلقة الدراسية التي نظمها مكتب راعوية المرأة في الدائرة البطريركية بالتعاون مع الدكتورة ثريا بشعلاني، ونقل توصياتها المطران الياس نصار، برفقة منسقة المكتب الدكتورة ميرنا عبود المزوق وأعضاء المكتب، إلى غبطة البطريرك الراعي، الذي كلّف لجنة مصغّرة بالإعداد للاحتفال العلني. وضمت اللجنة المطرانين الياس نصار ويوسف سويف، رئيس اللجنة البطريركية للشؤون الليتورجية، وعدداً من أعضاء اللجنة، ولا سيما الخوري إيلي سعادة المتخصص بسرّ الميرون المقدس.

واستُهل الاحتفال بترتيلة الدخول، تلتها كلمة للخوري إيلي سعادة شرح فيها بنية الرتبة ومعانيها الروحية والليتورجية، موضحاً أن تقديس الميرون يتم على المذبح نفسه لارتباطه المباشر بحضور المسيح وعمل الروح القدس في الكنيسة، وأن مزج الميرون القديم بالجديد يرمز إلى تواصل النعمة المقدسة من جيل إلى جيل، ومن عهد الرسل حتى يومنا هذا.

بعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى غبطة البطريرك الراعي كلمة روحية ولاهوتية، رحّب فيها بالحاضرين، معتبراً أن هذا الاحتفال يشكل محطة مميزة في حياة الكنيسة المارونية.

وأشار إلى أنها المرة الأولى التي تُحتفل فيها رتبة تقديس الميرون بهذه الصيغة الليتورجية الجامعة، بعدما كانت تُقام سابقاً في إطار محدود، مؤكداً أن الكنيسة أرادت إعادة هذه الرتبة إلى مكانتها الطبيعية داخل الحياة الليتورجية، لأنها تعبّر عن الكنيسة مجتمعة حول بطريركها وأساقفتها في صورة حيّة لوحدة الجسد الكنسي.

وشكر الراعي مكتب راعوية المرأة على مبادرته، مشدداً على أن المؤمنين المجتمعين حول البطريرك يمثلون الكنيسة بأسرها في شركة واحدة مع الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، لأن الميرون ليس شأناً يخص الإكليروس وحده، بل عطية تشمل جميع أبناء الكنيسة.

وتوقف البطريرك عند المعنى اللاهوتي لسرّ الميرون، مذكّراً بأن كل مؤمن نال هذا السر منذ طفولته في المعمودية والتثبيت، موضحاً أن الميرون هو عطية الروح القدس التي تثبّت الإنسان في إيمانه وتجعله يعيش ملء انتمائه إلى المسيح.

وأكد أن مواهب الروح القدس السبعة تُمنح لجميع المؤمنين دون استثناء، وأن الميرون يرافق أيضاً الأسرار والخدمات الكنسية، إذ تُمسح به أيدي الكهنة عند الرسامة، فيما يُمسح به جبين الأسقف ليكون على مثال المسيح الرأس والراعي والخادم.

وانطلاقاً من إنجيل المرأة التي سكبت طيب الناردين على رأس يسوع، رأى الراعي في هذا المشهد صورة عميقة لدعوة الكنيسة والرعاة إلى البذل الكامل والعطاء دون تحفظ.

وأشار إلى أن الناردين الوارد في الإنجيل هو أحد المكونات الأساسية للميرون المقدس، لافتاً إلى أن المرأة لم تحتفظ بأثمن ما لديها، بل قدمته للمسيح، فيما اعترض البعض على ما اعتبروه هدراً لمال كان يمكن توزيعه على الفقراء.

وأضاف أن يسوع كشف البعد الأعمق لهذا التصرف عندما ربطه بيوم دفنه، قبل أن يعلن القبر الفارغ لاحقاً أن المسيح القائم لم يعد بحاجة إلى طيب البشر، لأنه هو ذاته مصدر القداسة والعطر الروحي.

وربط البطريرك هذا المشهد بالرياضة الروحية التي يعيشها الأساقفة خلال أعمال السينودس، داعياً إلى «كسر قوارير الطيب» التي قد يتعلق بها الإنسان، أي التخلي عن كل ما يعيق التوبة والتجدد والانفتاح على عمل الروح القدس، طالباً من المؤمنين الصلاة من أجل الأساقفة لكي يبقوا أوفياء لعمل النعمة الإلهية في حياتهم ورسالتهم.

وبعد العظة، انتقل غبطة البطريرك إلى السكريستيا حيث أُحضر الميرون القديم، ثم عاد به في تطواف احتفالي إلى الكنيسة. وفي قلب الرتبة جرى مزج الميرون القديم بالزيت الجديد وإضافة البلسم إليه، في رمز بليغ إلى استمرارية النعمة الرسولية وعدم انقطاعها عبر العصور.

ورفعت الكنيسة صلوات استدعاء الروح القدس ليحلّ على الزيت الجديد ويقدّسه، قبل أن يعلن البطريرك رسمياً تقديس الميرون الجديد، الذي سيُوزّع بعد انتهاء أعمال السينودس على الأساقفة لينقل كل منهم هذه البركة إلى أبرشيته.

واختُتم الاحتفال بصورة كنسية جامعة أكدت أن الميرون المقدس ليس مجرد زيت طقسي، بل علامة حيّة لحضور الروح القدس في الكنيسة، وختم وحدتها، والجسر الذي يحمل نعمة المسيح من جيل إلى جيل، ومن عهد الرسل إلى أبناء الكنيسة اليوم.

المصدر: صوت المحبّة