عظة الأحد
الأحد الثالث من زمن العنصرة - حين يسكن الله في القلب: من المحبّة إلى السلام
نحن في الليلة الأخيرة التي قضاها يسوع مع تلاميذه قبل اعتقاله. يعلم أنّهم سيشعرون بالخوف، وستنهار عزائمهم، وسيتزعزع إيمانهم، وسيتساءلون كيف لنا أن نعيش بدون الرّب؟ لذا وعدهم: "سلاماً أترك لكم، وسلامي أعطيكم"، "لا تضطرب قلوبكم، ولا تفزع". هذا السلام ينبع من مسار: محبة يسوع، حفظ كلمته، استقبال الروح والعيش في حضرة الله.
1- محبة يسوع لا تقتصر على المشاعر
يقول يسوع "من قبل وصاياي وعمل بها أحبني". محبة الله لا تقتصر فقط على الشعور بشيء جميل، أثناء الصلاة أو القداس أو الترانيم... المحبة هي أيضًا إخلاص، وإصغاء، واختبار، والتزام. عندما نحب شخصًا، يصبح كلامه ذات قيمة. عندما نحب المسيح حقًا، يبدأ الإنجيل في تشكيل طريقة كلامنا، ومسامحتنا، وحكمتنا، وخدمتنا، وخياراتنا. في جو الخوف والحيرة، خاطب الرب التلاميذ وطرح معادلة ربما تبدو لنا اليوم غريبة: علاقة المحبة بالطاعة. غالبا ما نختزل المحبة إلى مجرد شعور أو عاطفة. لكن المحبة هي قرار إرادي يُعبّر عنه بالأفعال. الإنسان يبني حياته على صخرة وصايا الرب. لأن من إحدى إغراءات المؤمن هي معرفة الكتاب المقدس دون تطبيقه في حياته. عندما نحفظ كلمة الله، فإننا نجعل حياتنا مكانا يسكن فيه الله.
2- سؤال يهوذا غير الإسخريوطي
"كيف تظهر ذاتك لنا ولا تظهرها للعالم؟" لا يزال هذا السؤال يتردّد صداه حتى اليوم. نطرحه جميعًا عندما لا يلبي الله توقعاتنا، وعندما ينجح الأشرار وينتصر الظالمون. كانت إجابة يسوع ثورية. فأوضح أنه كشف عن ذاته للعالم على الصليب. كشف عن محبته العظمى للبشرية. وهذا الظهور هو داخلي وليس استعراضًا خارجيًّا. الله لا يفرض نفسه، ولا يقتحم حياتنا، بل يأتي ليقدّم ذاته لنا، يأتي ليسكن مع الذين يحبّونه.
3- حفظ كلمة الله يعني الحفاظ على حضوره
يتابع يسوع بقوله "من أحبني، سمع كلامي، فأحبه أبي ونجيء إليه ونقيم عنده". لم يقل يسوع، الله ينظر إلينا من بعيد. بل قال إنه يأتي إلينا فيصبح قلب المؤمن بيتًا لله. إيماننا المسيحي ليس مجرد إيمان بوجود الله، بل هو السماح لله أن يقيم عندنا. لكن هناك شرط واحد: حفظ كلمة الله. يعني عدم وضعها على الرّف أو الاكتفاء بنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، أو اقتباسها من عظة. حفظ كلمه الله، يعني تركها ترسخ في ذاكرتنا وفي ضميرنا، في جروحاتنا وقراراتنا. حينها تصبح كلمة الله كالمصباح الداخلي ينير دربنا. عندها، كلما تراودنا رغبة بالرد بعنف، نتذكّر ما قاله لنا الرب: طوبى لفاعلي السلام. عندما نرغب في الحكم على الآخرين بسرعة، نتذكر "لا تدينوا". عندما نشعر باليأس، نتذكر "أنا معكم دائمًا". عندما نعاني في علاقاتنا مع الآخرين، نتذكر "إغفر 70 مرة، سبع مرات."
الله لا يزورنا فحسب، بل يسكن بيننا. فهو لا يريد أن يكون ضيفًا عابرًا، ولا يريد أن يُستقبل ساعة واحدة في القداس ثم ننساه طيلة الأسبوع. يريد أن يسكن أفراحنا وأحزاننا ومخاوفنا وعلاقاتنا وأعمالنا، وإرهاقنا، وجراحاتنا، وقراراتنا، وصراعاتنا. فالمؤمن ليس وحيدًا ولا تدور حياته في فراغ.
4- الروح القدس المعزّي يحيي الذاكرة
كان على يسوع أن يرحل، لكنه لم يترك تلاميذه يتامى. أرسل المعزّي للوقوف إلى جانبهم، ليعينهم وليسندهم في أوقات العاصفة. هذا الروح يعلّمهم ويقودهم إلى كمال الحق الذي يتجاوز مجرّد الكلمات، فينعش ذاكرتهم. سيساعد الروح القدس التلاميذ على فهم مغزى أفعال المسيح وأقواله التي غابت عنهم، فيصبح الإنجيل نورا داخليًّا. ففي الأوقات الصعبة، يستطيع الخوف أن ينسينا الإيمان، والألم أن ينسينا المحبة، والغضب أن ينسينا الرحمة، لذا يأتي الروح ليذكّرنا أنّنا محبوبون، وأن المسيح حيّ، وألا نردّ الشر بالشر.
5- سلاماً أترك لكم لا كما يعطيه العالم
يصل يسوع هنا إلى ذروة وعده: هبة السلام الحقيقي. أمام سلام العالم الهش، والتوازنات المتزعزعة القائمة على موازين القوّة والسلطة والمظاهر، يأتي سلام الرب يسوع ليعد بالسكينة في الشدائد، لأنّه سلام يسوع المسيح القائم من الموت. إنه نضال دائم من أجل المحبة. لذا، عندما يقول الرب، لا تضطرب قلوبكم، فهو يؤكد على وجود العواصف والدموع. إنّما يعد بقوة داخلية ومرساة إلهية، تمكّن كل مؤمن من الصمود.
إذا هناك نوعان من السلام: سلام العالم وسلام المسيح. سلام العالم غالبًا ما يعتمد على الظروف: كل شيء على ما يرام، لا أحد يزعجني، لدي ما يكفي من حاجات، أسيطر على المواقف، مشاريعي ناجحة، إلخ. لكنّه سلام هش، ما إن تظهر مشكلة ما حتى يختفي. وهناك سلام المسيح الذي لا يعني غياب المشاكل، بل حضور الله في خضمّ المشاكل. هو سلام من يبكي ولا يستسلم، من يتألمّ ولا يكره، من يسقط ثم ينهض. هو سلام لا يتحكّم بكل شيء، ولكنّه ينبع من استمرارية الله إلى جانب الإنسان. هل أبحث عن سلام يعتمد على التحكّم بكل شيء، أم سلام ينبع من الثقة؟
من هنا:
- يكشف النص الإنجيلي عن ثلاثة أسرار:
أ- سر الثالوث الأقدس: الآب الذي يحب، والابن الذي يعلن كلمته، والروح القدس الذي يعزّي ويدافع. أن أكون مسيحيًّا، لا يعني مجرّد الإيمان بالله، بل الدخول في شركة مع الثالوث.
ب- سر حلول الله في الإنسان: المسيحي ليس مجرّد شخص يتبع قواعد أخلاقية، بل شخص يرغب بأن يسكن الله فيه.
ج- سر السلام الفصحي: يمنح يسوع هذا السلام قبل آلامه وبعد قيامته. هذا السلام ينبع من الفصح ويتجاوز الصليب.
- من الناحية الأخلاقية يقدّم النّص الإنجيلي ثلاث دعوات:
أ- الانتقال من الحب المعلن إلى الحب المعاش: هل يجسّد أسلوب حياتي كلمة الله؟ هل تتجسّد المحبة المسيحية في كلمة الحق، والمغفرة، والإخلاص، والخدمة، والصبر، والعدل، والسلام؟
ب- تحمّل مسؤولية السلام: يمنحنا الرب سلامه، ويدعونا إلى أن نتحمل مسؤوليته. لا يمكننا أن ننال سلام الرب، ونزرع الفتنة عمدًا. لذا السؤال المطروح، هل أنا صانع سلام أم مصدر توتر؟ هل أخفّف الآلام أم أزيدها؟
ج- السماح للروح أن ينشئ الضمير: على الضمير المسيحي أن يُهذَّب، فلا يعود الإنسان يأخذ قراراته بناء على مزاجه، ومصلحته الشخصية، وكبريائه، والضغط الاجتماعي، إلخ.
- يلامس هذا النص الجانب العاطفي: يسوع يعلم أن تلاميذه خائفون، لذا يخاطبهم بحنان: "لا تضطرب قلوبكم ولا تفزع". نلتقي في حياتنا اليوميّة بأناس يبتسمون، لكنّ قلوبهم متعبة. يصلّون، ولكنّ قلوبهم خائفة. يحبّون، لكنهم يشعرون بالوحدة. لا يدعونا الرّب إلى طمس مشاعرنا، بل إلى عدم جعلها تتحّكم بنا.
- يخاطب هذا النص، واقعنا اليوم: نعيش أزمات كثيرة: حروب، تفكّك أسري، قلق شبابي، خوف من المستقبل، فقدان الثقة، إلخ. يسعى البعض إلى السلام من خلال الاستهلاك، أو البذخ، أو النجاح، أو الهروب... لكن يسوع، القائم من الموت، يقول: سلامي لا يُشترى، بل يُنال وينبع من العلاقة معي. يحتاج عالمنا إلى أناس ممتلئين من سلام الرب، يجسّدونه في العالم.
فلنسأل ذواتنا:
- لو كان قلبي منزلًا، أي غرفة أحبّ أن يزورها يسوع اليوم:
o غرفة المعيشة: علاقاتي الظاهرة.
o المطبخ: رغباتي، جوعي.
o غرفة النوم: علاقاتي وجراحاتي.
o المكتب: خططي وقراراتي.
o العليّة: ذكرياتي الماضية.
o القبو: مخاوفي الخفية.
- ما نوع السلام الذي أسعى إليه غالبًا:
o السلام عندما يكون كل شيء تحت السيطرة.
o السلام عندما لا يزعجني أحد.
o السلام عندما أكون على حق.
o سلام المسيح حتى في خضم الصراعات.
- على وسائل التواصل، أنا أقرب إلى: صانع سلام، من يصب الزيت على النار، مراقب صامت، مصلح متخفّ.
- اليوم، يقول لي يسوع، لا تدع قلبك يكون: مضطربًا، خائفًا، متقلبًا، قاسيًا، مشتتًا.
ختامًا: إن وعد الإنجيل اليوم، ثلاثي الأبعاد:
أ- الله لا يكتفي بمحبتنا من بعيد، بل يريد أن يسكن فينا. لذا فإن حياتنا المسيحية رحلة حميميّة مع الثالوث.
ب- لسنا لوحدنا، فالروح القدس هو معزّينا وذاكرتنا.
ج- سلام المسيح متاح لنا الآن وهنا، حتى ولو كانت ظروف حياتنا متوترة، أو في أحسن أحوالها.
- يضعنا الرب أمام حقيقة عميقة: محبّته ليست عاطفة عابرة، بل طاعة وحضور وسكنى. وهنا نفهم سرّ القربان: يسوع لا يريد أن يبقى فقط أمام عيوننا في بيت القربان، بل يريد أن يجعل من قلب كلّ واحد منّا بيتًا له. أمام القربان، لا نقول فقط: يا رب، إبقَ معنا، بل نسمعه يقول لنا: افتحوا لي قلوبكم، فأنا أريد أن أسكن فيكم.
- ثم يمنحنا الرب أعظم عطية: "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم". ليس سلامًا يلغي التجارب، بل سلامًا يجعل القلب ثابتًا وسطها. ليس سلام العالم القائم على الظروف، بل سلام المسيح القائم على حضوره. فلنحمل اليوم هذه الكلمة، بقوّة الروح القدس المعزّي، في داخلنا: إن أحببنا المسيح، صار قلبنا مسكنًا له، وإن حفظنا كلامه، صار حضوره حياةً فينا، وإن وثقنا فيه، صار سلامه أقوى من كلّ خوف وصرنا علامة حضوره في العالم. آمين.
الخوري شربل شلالا