عظة الأحد

التاريخ: 2026-02-08 لوقا (16 ، 19 - 31) الخوري روبير الدكاش الخوري روبير الدكاش

أحد تذكار الموتى - خلقنا الله لنُعطي الحياة

في مسار الأيام الطبيعيّة يحلو العيش وتطيب الحياة، وقلّما نفكّر بالموت إلّا حين نواجهه بموت أحد الأقرباء أو بتجلّي مرض يقود إلى الموت. وإن عدنا بالذاكرة لهذه الأيام غير البعيدة، يمكن أن نجد من بيننا مَنْ كان كغنيّ الإنجيل يعيش لذاته متمتّعًا بأطايب الحياة، لا يفكّر إلّا بذاته، غير عابئ بما يجري حواليه وبِمن يضعه الله من لعازر على طريقه لخلاصه. 

  بالأمس، قبل الأزمة الإقتصادية والحروب العبثيّة والإضطرابات العالميّة، كنّا فعلّا مغمورين بكبرياء قدراتنا، منغمسين بتيار الفردانيّة، مشبعين بروح الاستهلاكيّة، مأسورين بنزعة المصلحة في علاقتنا، فعُميت عيونُنا عن رؤية لعازر الواقف على باب بيتنا. واليوم، تزيد أزمتنا السياسية والاقتصادية من تضييق سبل الحياة الرغيدة الّتي كنّا نعيش، ونوّد أن نعيش، فصرنا غارقين في دوامة التذمّر والنقمة والسوداويّة، فلا شيء يفرحنا أو يبهجنا أو يعزّينا. ويزيد من ضيق وانحباس أنفاس الحياة فينا ما نسمعه من تأويلات لحربٍ عالمية لاتحمد عقباها ويعتقد البعض إن هذا غضب من الله على البشريّة، أو نهاية الأزمنة، وبتنا نتنّشق أنفاس الموت لا الحياة. 

  لكن، تذكار الموتى اليوم، الّذي نحتفل به كلّ سنة في الأسبوع ما قبل الصوم الكبير، يأتي ليذكرنا أن "الله لم يجعلنا للغضب، بل لإحراز الخلاص بربنا يسوع المسيح" (1تس 5: 10)؛ ليذكّرنا أن الله لم يخلقنا لنتألم ونموت، بل خلقنا لنعيش ونستثمر عطية الحياة بعيش كلّ لحظة من لحظاتها بحبّ الله والقريب، كما المسيح أحبّ، لننعم بما يولّده هذا الحب من ازدهار ونموّ وبهجة الحياة، ونتذوق ما إليه يقودنا هذا الحبّ: القيامة لحياة أبديّة لا ألم ولا دموع ولا جوع ولا ظلام فيها، بل فرح وسلام ونور.

 فإذا كان الله خلقنا لنحيا للأبد بالحبّ، لأنه يريد لنا الحياة لا الموت، فلا يمكن للموت بكل وجوهه الحاضرة أن يخيفنا ويرهبنا وينمنعنا من أن نحيا ونحن نحبّ، ونذهب إلى مواجهة الموت ونحن نحبّ، لأننا بالحبّ وحده نحوّل الموت إلى جسر عبور إلى عيشٍ بملء الحبّ في شركة مع الّذين ساروا الدرب قبلنا وانتصروا، وفيهم بعضٌ من أحبّائنا وأهلنا وأصدقائنا وأبناء كنيستنا، وهم يتنعمون مع إبراهيم برؤية وجه الله.

 لنتذكّر أن مصيرنا الأبدي مرتبط بخيارنا بين طريق الحياة وطريق الموت الّذي صوّره لنا الرب بمثل الغني ولعازر. كلّ حبّ للذات نرجسيّ، نغلق فيه أحشاءنا عن لعازر الأقرب إلينا يقودنا إلى الضفة الأخرى، ضفة العذاب الأبدي، الّذي لا رجعة منها. وكلّ حبّ للذات منفتح على حبّ لعازار الأقرب منا، بدءً بأهلنا وشريكنا وأولادنا وجيراننا وأبناء رعيتنا وزملاءنا في الدرس والعمل وشركاؤنا في الوطن، حبّ نحنو به عليهم ونشاركهم بما لدينا، يقودنا إلى ضفة الله لنتمتع مع الأبرار والصديقين والقديسين بالعيش في حضرته.

 نحن أبناء النور، كما يقول بولس الرسول نعلم "جيّدًا أن يوم الرّب يأتي كالسارق ليلًا". فإن كنا نريد ألّا يفاجئنا ذلك اليوم كالسارق(1تس5: 2 و4)، فما علينا اليوم سوى أن نغيّر في طريقة عيشنا السابق، ونختار من جديد طريق الحبّ القادر أن يرى لعازر على باب بيتنا، فلا نميل عنه، بل ننظر إليه ونراه في حاجته، ونأتي إلى لقائه، ونحمله على الدخول إلى بيتنا ليشاركنا في ما أنعم الله علينا، لإنه هو بالذات لا غيره طريق خلاصنا، طريقنا إلى ملء الحياة، ملء الشركة بحياة الله بالذات.